الجمعة، ٢٣ أبريل ٢٠١٠

رجب طيب اردوغان

فكرت كثيرا في الحديث عن ذلك الرجل الشهم الذي ظهر كالنور وسط الظلام ليعيد إلينا الأمل في كل شئ من بعد ما كاد اليأس أن يتملكنا وظننا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فأخرج الله هذا الرجل ليحي فينا الامال مرة أخري ، إنه الرجل الطيب "رجب طيب أردوجان" رئيس وزراء تركيا العظيمة أكبر واهم الأقطار الاسلامية فهنيئا للشعب التركي بهذا الرجل وحسبنا الله في أشباه الرجال ممن سلطهم الله علي رقابنا ، كنت أحاول أن اكتب تدوينة عن هذا الرجل الشهم ولكني عثرت علي احدي المقالات التي مست شغاف قلبي والتي قالت ما كنت أود أن اقوله عن الرجل فآثرت أن اضعها كما هي بديلا عن تدوينتي ...





أردوغان...كفى...إرحمنا أرجوك !

الأفضل أن تبتعد عنا؛ فأنت في كوكب غير كوكبنا

د। حمدي شعيب

__________

ذات مساء طيب، في تسعينيات القرن العشرين؛ أثناء عملي في المملكة العربيةالسعودية، أذن علينا المغرب في طريقنا في رحلة العمرة من المدينة إلى مكة؛ فأنزوينا إلى أحد المساجد؛ لنصلي ا! لمغرب!।ودخلت إلى الصف؛ وهالني الصوت الرائع الملائكي للإمام؛ وهو يقرأ سورة الضحى، حتى انهمرت دموعي من سحر التلاوة!؟।وبعد أن انتهى الإمام من الصلاة، التفتت إليه؛ فألجمتني المفاجأة؛ فخرجت لأقابل زوجتي؛ والتي صلت في الصفوف الخلفية، وبادرتني بمفاجأة أخرى وهي تسأل متعجبة ومتأثرة: من هذا الإمام المؤثر؟!।فهتفت بها: إنه رجب الطيب أردوغان، وسأذهب إليه وأحييه وجميع مرافقيه في الحافلة التي تقف وراءك، ولكي أبلغه سلامنا جميعاً إلى أستاذه رئيس وزراء تركيا نجم الدين أربكان، ولنعلن إعجابنا وسرورنا بتجربتهم الرائدة في قيادة تركيا، وفي انتخابات حرة هزت العالم!؟।وكانت المفاجأة الثالثة؛ أنني وجدته لا يتحدث العربية أو الإنجليزية؛ بل التركية فقط، وكان المترجم وسيطاً ينقل إلي كلينا جوانب هذا الحوار واللقاء الطيب الدافيء!؟।ثم توالت المفاجآت؛ عندما سألني عن مصر، وأحوالها، وأخبار أهلها؛ وكأنه يتابع كل دقائقها، وكأنه ينظر إلى ثقلها ويحترم قوتها! ومكانتها ومكانة أهلها وريادتها وريادتهم!؟।وودعته ورفاقه، واستشعرت خيراً؛ بأن هذا اللقاء الطيب الدافيء الأخوي من علامات قبول هذه العمرة المباركة!؟।وقلت في نفسي أيها الرجل أنت ومن معكم من تلاميذ أربكان، لقد أتعبتمونا بريادتكم للنهوض الحضاري ببلدكم، وفي نفس الوقت تحافظون وتوازنون مسيرتكم؛ بهذا الجانب الطيب في سلوكياتكم تمنيت وحلمت حلماً مسكيناً؛ وهو أن أرى مسئولاً في بلدنا ذات الريادة الإسلامية وهو يؤم الناس،

أو على الأقل تكون سيرته حسنة ولو يترفع عن التعدي على أراضي مصرنا المسكينة، أو يبتعد عن عيون! نا؛ فلا يظهر على شاشتنا الفضية وهو يتحدث عن الشفافية، وعن عصر الشفافية، وعن ...!!!؟؟؟।بلدنا بتتحطم بينا!؟:ثم شغلتني أيامها قضية أخرى؛ وهي التي أظهرت نبوغه القيادي المبكر؛ وهي تلك النقلة الحضارية التي أنتقلت بها مدينته (استانبول) أو (القسطنطينية)؛ عندما كان يرأس مجلسها المحلي؛ لتفوز بجائزة أفضل وأجمل وأنظف مدينة عالمية!؟।! وهو السبب الآخر الذي أتعبنا وأشعرنا بمدى الصغار؛ فنحن لم نزل نتعثر في البحث عن حل لإشكالية حضارية ومشروع قومي خطير وحديث كل منتدى ألا وهو مشروع التخلص من القمامة!؟।أقول هذا وأنا أتعثر بين أكوام القمامة؛ التي تنبعث من كل ركن في مدننا الحضارية المسكينة!؟।ونقترح أن يتغير الشعار الآن من (مصر بتتقدم بينا) إلى (مصر بتتقذر بينا)!!!؟।من المراهقة ... إلى الرشد!؟:ثم كانت الحركة التصحيحية الحزبية التي قام بها ورفاقه النشطاء، على نهج أستاذه أربكان؛ لتبلغ بهم مسيرة الحركة الإسلامية في تركيا درجة عظيمة من النضج ليذهلونا ـ كمعجبين في كل العالم بتوجهاتهم الواعية ـ بأنهم قد استعلوا على أخطر معوقات الطريق؛ ليحققوا الحلول الحضارية لعدة إشكاليات مزمنة ومستعصية؛ وأخطرها كما أراها من إطلاعي المتواضع على الأحداث:1-إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير في الحركة، وذلك في ديناميكية رائعة تستعلي على المعوقات!।2-إشكالية عض الإصابع بين طرفي مقص القوى التركية؛ فتجاوزوا مرحلة الصراع الدامي بين توجهات حزبهم الراديكالية، والمؤسسة العسكرية الأتاتوركية المهيمنة!।3-حققوا بتوازنهم البراجماتي، وسيرهم الواعي على صراط الميزان الاجتماعي والدولي، وبتجربة عملية الحل الحضاري لإشكالية طالما صدعوا رؤوسنا بها وهي إشكالية العلاقة بين الدعوي والسياسي!؟।4-ولم يلعبوا على منهجية خطيرة في مسيرة الحركات والأحزاب؛ وهي العقلية التبريرية।فلم تعجزهم المعوقات، ولم يستكبروا على الأخطاء؛ فاعترفوا بها وصححوها في مهدها، ولم يداهنوا معارضيهم ، ولم يخدعوا مناصريهم، ولم يخجلوا من قواعدهم الواعدة!؟।فأشعرونا أكثر بمدى ما وصلت إليه مسيرتهم الرائدة؛ والتي انتقلوا بها من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الرشد والنضج!؟।:ثم جاءت محنة غزة!؟।ورأينا كلنا موقفه الثابت الشامخ الواضح من المعتدي؛ بينما نحن نعاونه ونبارك غزوة على إخواننا!؟.ثم رأينا موقفه الرجولي الشامخ؛ وهو يوقف ـ ولأول مرة في حياة جيلنا الح! الم المسكين ـ هذا المتغطرس القبيح شيمون بيريز في منتدى دافوس؛ بينما رجالنا يصمتون ولا يتحدثون ولا يخجلون، وينسون أن التاريخ قاسي في تعامله مع الأحداث وصانعيها؛ فإما يسطرهم في صفحاته الناصعات، وإما يضعهم في مزبلته!؟.لقد أتعبونا هؤلاء القوم وأشعرونا؛ أنهم الشموخ في زمن الانكسار، وأن الرجولة لا يقابلها إلا الخنوع!؟.أخلاقيات قيادية ... نفتقدها!؟:ومنذ شهور قليلة سررت جداً عندما رأيت مجموعة من الصور له ولزوجته في مناسبة اجتماعية موحية؛ وهي حفل عرس ابنه رفيق دربه الرئيس عبد الله جول!؟.لقد فوجئت أنهن محجبات محترمات ملتزمات، في بلد الصراعات وفي زمن التناقضات وفي زمن الفتن الهائجات المائجات!؟.وقد تأثرت بسلوك العروس الملتزمة، وهي تقبل يدي والدها الفاضل على الملأ!؟.فأي بشر هؤلاء وأي اعتزاز بالأصول والأخلاقيات؛ لقد أتعبوني كحالم مسكين، وهو يرى قادته، ومسؤولي بلده المسكين، وهم يتسابقون إلى محو هويتهم وهوية وطنهم، وأدعو الله ألا يريك أو يسمعك أخبار حفلات أعراسهم وما يصنع فيها أبناء زمن الحنطرة والتحنطر و(إييييييه) الشعبانية!؟.يا إلهي؛ أي انحطاط يحاصرنا ويهدد أخلاقياتنا ويدمر هويتنا، وصرخت: (يا رب؛ أشمعنى إحنا)!؟.انتماء ... واغتراب:ومنذ أيام قلائل وصلني على زاويتي في (الفيس بوك) مقطعاً لفيلم فيديو يظهر هذا الرجل المتعب؛ في لقطة معبرة ومؤثرة؛ وهو يسير مع زملائه من الرؤساء الأوربيين ليأخذوا صورة تذكارية على سلالم المؤتمر، وأثناء صعوده وجدناه ينحني على الأرض ليلتقط علماً صغيراً لتركيا من بين أعلام الدول المشاركة والتي سقطت أثناء مراسم الاحتفال، ثم وضعها في جيبه؛ حتى لا يدوسها أحداً بقدمه!؟.فتأثرت جداً وأرسلت هذا المقطع المؤثر لأصدقائي؛ لأتعبهم واختبرهم كما تعبت وسألتهم سؤال الحالم المسكين المتألم لضياع الانتماء والمستشعر بمدى الاغتراب الذي يحاصره: ترى لو وجدت علم بلدك على الأرض؛ فماذا أنت صانع به؟!.وجائتني التعليقات الدامية التي يجمعها حالة اغتراب وصفها شاعر الملاحم الإسلامية كامل أمين:اجتاز في وطني وفي أهلي عمراً ... من الحزن طالت فيه أسفاريمهاجرٌ وبلادي تحت راحلتــي ... ولاجئ رغم أني صاحب الدارفمنك لله يا أردوغان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.أجندته ...وهموم الفقراء:ومنذ أيام وصلتني مجلة (المجتمع الكويتية) العدد (1869) بتاريخ (18/9/2009) وفي الصفحة (11)؛ أن هذا الرجل في أحد أيام رمضان قد فاجأ الجدة الفقيرة المسنة (عائشة أولجون) وزوجها المشلول القعيد القاطنين في إحدى عشوائيات العاصمة أنقرة، وتناول معهم الإفطار، ثم زار عدداً من الأسر الفقيرة فاطمأن عليهم، واستمع لشكواهم في مظاهرة حب دافئة!؟. فاستنكرت في نفسي تصرفاته المستفزة لنا، وقلت في نفسي؛ ألم يجد هذا الرجل أمكنة وبشر أنظف من هؤلاء ليزورهم أمام العدسات؟!.ألا يوجد عندهم (كارفور) ليزوره؟!.ألم يجد قعدة على ترعة تزدحم بضفادع بشرية أمنية، في خص يبنيه رجال أمنه، وفي ضيافة ممثل قدير من أمنه، وعلى شاي صنعه رجال أمنه؟!.حتى أنت ... يا أحمد يا منصور!؟:لم أكد أنتهي من هذا الهم، وأشعر بشيء من التنفيس عن هموم الحالم المسكين؛ حتى هوى على رأسي المسكين هذه الكلمات:(صناعة التاريخ حرفة لا يجيدها إلا الرجال)!؟. (نحن استمعنا إلى صوت شعبنا)!!؟.(وأنه لن يملأ ال! فراغ الذي ستتركه أمريكا في المنطقة عاجلاً أم آجلاً إلا صناع التاريخ، إلا دول قوية وحكومات تسمع لصوت شعبها، أما الأقزام الذين مشوا ويمشون في ركاب أمريكا وإسرائيل؛ فإن مصيرهم سيكون لا شك مصيرها، وسوف ينالون؛ دون شك مكانتهم المرموقة في مزبلة التاريخ!؟).وقد اقتطفتها دون تعليق من مقال رائع لا يجب أن يفوت أحد؛ وعنوانه (الأتراك يعيدون صناعة التاريخ) للصديق الحبيب والإعلامي الرائع (أحمد منصور) في عدد الأربعاء الأسبوعي لجريدة الدستور (21 أكتوبر 2009م)!؟.فأحببت أن أختم بهذين العتابين الحزينين:الأول: (كفانا هموماً ومقارنة بين مواقف الرجولة، ومواقف الخزي التي تحاصرنا وتقتلنا يوماً بعد يوم؛ خاصة ما أصابني بعد قراءة هذه الإنجازات العبقرية المذهلة التي صنعها هذا الرجل الشامخ؛ والتي وردت في مقال الدستور، ولا أجد عتاباً أبلغ من عتاب قيصر لبروتوس: حتى أنت يا أحمد يا منصور)!؟.الثاني: (أيها الرجل؛ من سلطك علينا؛ كفانا هموماً؛ نستشعرها ونحن نتابع إنجازاتك ومواقفك يوماً بعد يوم، لأنني كحالم مسكين؛ في حالة من التناقض الداخلي والتشرذم النفسي؛ لوقوعي بين شعورين قاتلين يتجاذباني؛ لأنني أزداد فخراً بك، وفي نفس الوقت استشعر مدى الصغار الذي يحاصر أحلامي المسكينة في التغيير مثلكم!؟.فالأفضل أن تبتعد عنا؛ فأنت في كوكب غير كوكبنا؛ وإن صممت على هذه المواقف، ولم ترعوى عن مسيرة الصعود؛ فستشعرنا بمدى هبوطنا، وستكشف سوآتنا، وتفضح كوكبنا؛ أرجوك أرحمنا، ودعنا في حالنا)!


مع تحيات الحالم المسكين:

د। حمدي شعيب

استشاري أطفال ـ زميل الجمعية الكندية لطب الأطفال (CPS)- عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية


صحيفة المصريون الالكترونية
09 December 2009

الثلاثاء، ٣١ مارس ٢٠٠٩

إشراقة


دخلت إلي القاعة "41" وما لبثت أن أجلس حتي بدأت أنقل عينيا باحثا عنها ..... استغرق البحث ثوان عديدة مرت عليّ كسنوات .. حتي تمكنت من العثور عليها فاطمئن قلبي قليلا .. لكن موقعها كان لا يسمح لي برؤية وجهها .. فقد كان هناك عدة صفوف من الزملاء أمامي يحولون بيني وبين رؤيتها .. فكان يلزمني أن أنحني يمني ويسري حتي يتسني لي رؤية مؤخرة رأسها الذي تلتف حوله في إحتشام ووقار الطرحة ذات اللون الاصفر الفاتح المميزة التي أحببتها كثيرا .. وبعد محاولات يائسة لرؤيتها إستسلمت صابرا حتي تنتهي المحاضرة .. وكنت اشغل نفسي بالكتابة تارة وبمداعبة صديقي " السيد" تارة اخري .. وأخيرا انتهت المحاضرة وتعالت الأصوات وكثرت وخرج الكثير من الزملاء من القاعة .. ما لبثت الأصوات أن خفتت شيئا فشيئا وجلس من تبقي من الزملاء داخل القاعة يتحدثون ويتحاكون ويتضاحكون وبدأت محاولات "السيد" في أن يتجاذب معي أطراف الحديث .. ولكني كنت في وادٍ آخر .. فقد كان بصري مصوبا نحو شئ واحد ومتعلقا به لا أكاد ابصر شيئا سواه .. كنت متلهفا لأري وجهها الذي لم أره منذ خمسة عشر ساعة كاملة .. وفجأة .. وبينما كنت مستغرقا في التفكير .. باغتتني بالإلتفات إلي صديقتها الجالسة إلي جوارها .. فإنخلع قلبي حين رأيت إشراقة وجهها .. و تصدعت الضلوع بداخلي حين لمحت بريق عينيها .. ولم تبق في جسدي شعرة إلا تحركت حين باغتتني ثانية بإبتسامة توقف عندها النبض في عروقي .. لم ينقذني من هول ذلك الموقف إلا صرخة "السيد" في وجهي حين وجدني شاردا عنه غير مكترث بحديثه .. فإلتفت إليه علي إصر صرخته .. لأجد ومضات الدفء تتسرب إلي كل خلية من خلايا وجههي ليتورد كالعادة .. أردت أن أصرفه عني بأقصي سرعة ممكنة لأواصل المشهد مرة أخري فسألته "ما رأيك في الدكتور عادل منصور؟" ليبدأ هو في الحديث المطول كعادته .. وأعود أنا للمشهد الذي صهرت فيه منذ لحظات .. لأشاهد وأفكر وأتسائل .. أي وجه هذا الذي أري؟ .. هل هي الشمس وقد اشرقت لتضئ الدنيا وتحييها؟ .. أم أنه الصبح قد انلفج وملأ الدنيا بنوره وثورته وهمهماته؟ .. أم أنه البدر وقد اكتمل ليسحر ويأسر كل الناظرين؟ .. هل هي فتاة تعيش دنيانا وتتنفس هوائنا وتأكل مما نأكل؟ .. أم أنها آية من عند الله أنزلها من السماء ليري أهل الارض بديع صنعه وعظم تصويره وخلقه؟ .. إزدحمت الأفكار والتساؤلات برأسي وجال بخاطري سؤال ملح .. هل أحبها بالفعل؟ .. أم أنه مجرد إفتتان بإشراقة وجهها؟

الأحد، ٢٩ مارس ٢٠٠٩

رجل غيور

ما هذا الرجل الصالح الفقيه الغيور علي حال الامة ؟!!

قابلته في محطة القطار مصادفة ، يتكلم عن حال الامة بشكل غير تقليدي فهو يتحدث عن مخططات لتدمير رموز الامة ويخص بالذكر رمزان اساسيان من رموز الامة هما اللغة العربية وآل البيت!!

اصابني بالاحباط وخيبة الظن في البداية حينما ذكر آل البيت فخلته رجلا صوفيا محدود المعرفة ، ثم هالني ما وجدت لديه من سمو ثقافي قلما اجده فانتابني شعور بأنه رجلا شيعيا او متأثرا بالمذهب الشيعي، لكن كل هذه الافكار تلاشت حين تعمقنا في الحوار الهادئ الذي تأثرت به كثيرا
كنت جالسا علي احد المقاعد داخل محطة القطار وبجواري ومن حولي مجموعة من الطلاب والطالبات المنتظرين لوصول القطار وكان هو جالسا خلفي مباشرة فحدثت مشاجرة عابرة بين بعض الطلبة وانفضت كالعادة عقب اثارة بعض الضوضاء في المكان وبعد ان هدأت الامور وجدته يحاول ان يرطب الاجواء ويفتح باب للحديث معي ومع الطلاب حين لاحظ ان حائط المحطة مكتوب عليه كلمة "الامبراطور" فقال موجها الكلام للطلاب: "هل يعرف احد منكم جمع كلمة امبراطور؟ فرد كل واحد منهم اجابة مختلفة ومتعثرة ومضحكة احيانا وحين انتهوا الي عدم معرفة الاجابة الصحيحة رأيته يتوجه إلي بالسؤال نفسه فأجبته "جمعها أباطرة " فابتسم لي فباغته أنا بسؤال في نفس المجال عن جمع كلمة إمرأة ، وكانت محاولة مني للتودد إليه ولإستمرار الحوار فقد اثار فضولي بكياسته ووقاره وبالفعل كان ما أردت وبدأ الطلاب في الإنصراف واحدا تلو الاخر وبدأ الحوار بيني وبينه يمتد ويتعمق حتي جاء القطار الذي ينتظره الرجل فقام إليه مسرعا ونسيت حتي ان أسأله عن اسمه أو مهنته أو عن طريقة للإتصال به ولشد ما أحزنني ذلك
ربما آتي علي سرد هذا الحوار يوما ما لكني وددت ان اضع هذه التدوينة حتي تظل تذكرني بهذا الرجل الجليل الذي أدعو الله ان يجمعني به مرة أخري في الدنيا وأن يجمعني به والصالحين من عباده في جنات النعيم .


الجمعة، ٦ مارس ٢٠٠٩

رؤية خاصة بالدولة العثمانية

تعد الفترة العثمانية من اكثر الفترات المفتري عليها في التاريخ فمن منا يتذكر السؤال الذي كان يتكرر باستمرار في مناهج التعليم في مرحلة التعليم قبل الجامعي ( بم تفسر تردي الاوضاع الداخلية في مصر إبان الحكم العثماني؟ ) وكانت الاجابة النمطية بالطبع تدور حول مجموعة من الاسباب التي يحفظها الطالب عن ظهر قلب حتي تتحول بداخله إلي عقيدة راسخة غير قابلة للجدل ، وكان من ضمن تلك الاسباب المزعومة العزلة التي فرضتها الدولة العثمانية علي مصر وتهجير الحرفيين المهرة الي الاستانة حاضرة الدولة العثمانية ثم فرض اللغة التركية وإهمال العثمانيين للتعليم والري وما إلي ذلك من أسباب
والمتتبع للأدب العربي شعرا ونثرا خاصة في بداية القرن العشرين يري الهجوم الضاري الذي كان يشنه أصحاب الفكر القومي الوليد آنذاك علي الدولة العثمانية فبعض الكتاب الشوام من امثال جورجي زيدان نجدهم يتناولون العثمانيين باعتبارهم العدو اللدود للأمة العربية والجاثم علي صدور العرب والمعوق لتقدمهم وازدهارهم وانه اذا ما أراد العرب النهوض فعليهم باقتلاع انفسهم من هذه الدولة والسير علي النهج الأوربي في اقامة الدولة القومية ، هذا بالنسبة للشام أما إن جئنا إلي الحركة الوطنية المصرية اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فلم تكن أقل شراسة في عدائها للعثمانيين إلا بعض الاستثناءات القليلة ومنها علي سبيل المثال مصطفي كامل الذي لم يري أي اشكالية ما بين انتمائه لمصر ورؤيته المفعمة بالوطنية وبين انتماء مصر لدولة الخلافة العثمانية بل كان يري ان اعتبار مصر جزء من الدولة العثمانية مفيد للحركة الوطنية المصرية التي كانت تسعي لتحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي ، وتلك النظرة لمصطفي كامل كانت كما وضحت هي الاستثناء أما باقي رجال الحركة الوطنية في مصر فكانوا بناصبون العداء للعثمانيين ، وربما كان هناك عوامل عديدة أدت بأبناء الحركة الوطنية لتلك النتيجة فنحن لا يجب ان نندهش من موقفهم تجاه العثمانيين اذا علمنا ان هؤلاء هم ثمار جيل البعثات التي أرسلها محمد علي إلي اوربا والذين نهلوا من حضارتها وتشبعوا بقيمها واذا علمنا ان اوربا كانت تري في الدولة العثمانية المارد الشرير الجاثم في شرق اوربا الذي كان يقض مضاجع الاوربيين لعدة قرون ويهدد حضارتهم ووجودهم تلك الصورة انعكست بالتالي علي طلاب البعثات الذين حملوا نفس تصورات الاوربيين تلك فعادوا يعلمون قيم الحضارة الأوربية - باعتبارها قمة الحضارة الانسانية - لابناء الطبقة الارستقراطية الذين تشكلت منهم الحركة الوطنية في مصر فيما بعد ، كذلك الحال بالنسبة للاسر الشامية العريقة التي تعلم ابنائها في اوربا وعادوا محملين بنفس الافكار ونفس القيم ونفس الرؤية السلبية للعثمانيين
ولكن هناك سمة اختلاف بين الحالة المصرية والحالة الشامية أدت لتبني كلا منهما رؤية مختلفة رغم تشابه المنطلقات ، فطبيعة القطر المصري المتجانسة وكذلك البدايات التي قام بها محمد علي في بناء دولته وازدهارها السريع وبشكل منفرد قد كون صورة متمايزة عند ابناء الحركة الوطنية المصرية فكانت حركتهم مصرية خالصة لم تتبلور فيها اية تطلعات قومية ، أما بالنسبة للحالة الشامية بما تمثله من تناقضات واعراق مختلفة وديانات ومذاهب وطوائف متعددة وحكومات متناثرة علي مساحة ليست كبيرة من الارض أدي كل ذلك لحتمية وجود فكرة تجمع بين كل هذه التناقضات فكانت فكرة القومية العربية هي ما انتهي اليه المثقفين وما يطلق عليهم التنويريون هناك

الخميس، ٢ أكتوبر ٢٠٠٨

دموع الكابتن نبيل

تأثرت كثيرا بدموع هذا الرجل حينما تذكر أصحابه الذين تفحموا في الدشمة أثناء معركة المنصورة الجوية في حرب اكتوبر

هو رجل تجاوز الستين من العمر ولكنه رياضي ورشيق ووسيم ونضر الوجه ، كان يعمل كضابط طيار في القوات الجوية وعاصر حروب اليمن ونكسة67 وحرب اكتوبر73 وحرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) ، ورغم كل هذه التجارب والخبرات العسكرية تجده رجل بسيط في تفكيره ومتوسط الذكاء ولا يحب أن يعمل عقله في أي شئ ولا يحب السياسة وولا يحب حديثها ولا يكترث بها كثيرا ويبدو أن ظباط الجيش يكونون بالفعل بمعزل تام عن الأحداث السياسية الدائرة حولهم ولكنه مخلص تماما لكل الرؤساء المصريين ويتكلم عن عبد الحكيم عامر بإعجاب وتقدير ، ورغم بساطته تلك ومحدودية تفكيره لاحظت أنه يميل الي الإبتكار ووالابداع والفك والتركيب بحكم خبرته مع القوات الجوية وتعامله مع الطائرات لذلك افتتح محل لتصليح الاجهزة الكهربائية وبيع قطع غيارها بعد تقاعده وطلوعه علي المعاش !

لاحظت منذ بداية تعارفنا أنه مادي للغاية ويحب التميز والظهور والتألق بشرط ألا يكلفه ذلك ماديا ، وهو مغرم بالغرب والثقافة الغربية وأخبرني أنه كان يراسل فتاة ألمانية في شبابه ثم منع من مراسلتها بأوامر عسكرية لأن كل ما يرد بالبريد لظباط الجيش كان مراقبا في تلك الفترة بسبب ظروف الحرب وقتها ، وهو حزين علي ذلك وساخط علي رؤسائه الذين حرموه من مراسلتها

بسبب ولعه بالغرب كان متلهف للإلتحاق ببعثة عسكرية إلي الولايات المتحدة وتأجلت هذه البعثة أكثر من مرة ثم سافر أخيرا في هذه البعثة عقب حرب الخليج ويبدو أنه كان لا يود العودة إلي مصر لكنه لا يريد أن يصرح بذلك خشية أن يتهم بعدم إلانتماء وعلي الرغم من ضآلة فكره السياسي إلا أنه كعادة كبار السن يعشق الحديث عن تجاربه خاصة حكاياته في الجيش مع القوات الجوية وقصصه في ذلك المجال لا تنتهي.

اندهشت حين وجدته يجمع في قلبه حب عبد الناصر وعامر والسادات ومبارك والإخلاص لهم جميعا بشدة ، وحين جادلته في مبارك إلتمس له الأعذار في كل سلبياته وأخطاؤه وقال " كفاية الأمن والأمان" وهذا الكلام يمكن ان نتفهمه من رجل عاش ويلات الحروب ورأي أشلاء أقرانه رأي العين ، وبحساسيته العسكرية وإدراكه أني مهتم كثيرا بحرب الخليج الثانية حدثني عن تلك الحرب وقال أن ما عرفوه في الجيش وقتها أن بوش الأب خدع الرئيس مبارك بأن وعده بأمران في حالة مشاركة مصر في الحرب اولهما كان رعاية الإقتصاد المصري وإخراجه من كبوته وضخ الإستثمارات الغربية والخليجية (باعتبار الخليج منطقة نفوذ اميركي ) ، وكان الوعد الثاني هو حل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع ، وكانت هذه الوعود من سيد البيت الابيض كفيلة بأن يضحي مبارك من أجلها بصدام حسين وبالاموال التي يحولها 4 مليون مصري يعملون بالعراق ، لكن بالطبع هذه الاحلام لم تتحقق ولم ينفذ بوش الاب وعوده لمبارك لأنه خسر الانتخابات الرئاسية التالية رغم النجاح الساحق لعاصفة الصحراء وتحرير الكويت ، واكتفت الادارة الاميركية التالية بدعم بسيط للإقتصاد المصري كمكافأة للدور المرسوم لمصر في الحرب ، إذن مبارك خدع وندم علي المشاركة في الحرب لا لشئ إلا لعدم إتمام الصفقة المشيوهة التي أبرمها مع بوش

الأب.

وللحديث بقية إن شاء الله مع حكايات الكابتن طيار نبيل

الأربعاء، ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٨

التاريخ الذي لا نعرفه

أعتقد أنه لا يوجد شعب في العالم أكثر تخبطا وحيرة في قراءة تاريخه من الشعب المصري، وربما كان حضور الرواية التاريخية من وجهة نظر اسلامية الي جوار الرواية الرسمية التي تتبناها الدولة في قراءة التاريخ له اثر كبير في حدوث هذا التخبط وتلك الحيرة ،
فعلي سبيل المثال نجد أنه بعد أن جاءت ثورة يوليو قامت بتشويه منظم لتاريخ الفترة الملكية السابقة فجعلت من كل من وقف في صف العائلة المالكة وساندها خائنا للوطن وعميلا للإستعمار وصنعت من كل من كان معارضا للحكم ومتمردا عليه في تلك الفترة بطلا قوميا ،
هذا الحال نجده يتكرر في الوقت الراهن حين نقرأ التاريخ من وجهة نظر الإسلاميين فنجد ان كل شخصية تاريخية لا تنتمي للمنهج الاسلامي يضعها الإسلاميون في سلة الخونة المارقين عن الحق والدين.
إذا تناولنا ثورة يوليو من هذا المنطلق نجد أن الخلاف بين القرائتين الرسمية والاسلامية لهذه المرحلة التاريخية مذهلا حقا ، وأطرافه حاضرين بيننا يتراشقون السهام فيما بينهم ، ففي الوقت الذي درسنا فيه في مراحل تعليمنا عن انجازات ثورة يوليو "المباركة" وسمعنا من آبائنا عن الزعيم "الخالد" عبد الناصر ومواقفه الشجاعة تجاه اسرائيل والغرب المستعمر نجد الهجوم الساحق من قبل الإسلاميين علي الرجل وعلي الثورة ككل وجميع رجالاتها ومشاريعها القومية.
ويذهل المرء حين يقرأ عن الثورة العرابية التي تمجدها الروايات الرسمية وتمجدها كتب التاريخ التي تدرس للطلاب الآن ثم يجد الهجوم الساحق علي الحركة العرابية من وجهة نظر الإسلاميين فهي من وجهة نظرهم خاصة السلفيين منهم خروجا علي ولي الأمر بل إنهم يعزون الإحتلال الإنجليزي لمصر إليها بل إن شخصية الخديوي توفيق والذي يكاد يكون متعارفا عليه بين البسطاء علي أنه الخائن الذي أتي بالاحتلال إلي مصر تلك الشخصية نراها برؤية جديدة نوعا ما حين نجد نوع من إعطاء التبريرات للخديوي في إستدعائه للإنجليز لمواجهة الحركة العرابية المارقة.
ويستمر بنا الذهول حين نقرأ النقد اللازع لكافة رجال الحركة الوطنية في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أمثال سعد زغلول، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وقاسم امين، ورفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده واستاذه الأفغاني ، هؤلاء الذين يُنظر إليهم علي أنهم قادة الامة ورواد التنوير والذين تقاسمو الألقاب فيما بينهم من زعيم الأمة إلي استاذ الجيل إلي عميد الأدب إلي محرر المرأة إلي مجدد العصر..إلخ ، في حين ينظر إليهم الإسلاميين بإعتبارهم أذناب الغرب الكافر في بلاد الإسلام.
نجد كذلك أن القراءة السلفية والإخوانية للتاريخ الحديث فيها تمجيد للدولة العثمانية (دولة الخلافة) فتجعل من كل من قاوم هذه الدولة بإسم الوطنية او القومية العربية أو التحرر والليبرالية تجعل منهم جميعا عملاء للإستعمار واعداء للإسلام ،
وكذلك الحال بالنسبة للفتوحات الاسلامية في أوربا ووسط وشرق آسيا ، فتجد الحديث عنها بين الطرفين من النقيض إلي النقيض فهناك دائما إهمال متعمد للفتوحات الاسلامية في البلدان الغير عربية من قَِبل الروايات التاريخية الرسمية والتي تدرس للطلاب ويري الإسلاميين ذلك باعتباره من آثار الدعوة القومية والشعوبية التي عزلت الأمة العربية عن باقي العالم الاسلامي ثم عزلت الأقطار العربية عن بعضها البعض،
بل تعدي الأمر الي أن تجد أن هناك تجاهل تام لبعض ساطري التاريخ في الروايات الرسمية والذين كان لهم دور كبير في عصرهم لمجرد تبني هؤلاء رؤية إسلامية صرفة تتعارض مع الرؤي القومية والوطنية الحالية وابن تيمية خير مثال علي ذلك ، في الوقت الذي تنحي فيه الرؤية التاريخية الاسلامية منحي مضاد تماما لتجعل من ابن تيمية شيخ الاسلام ومجدد الدين وباعث روح الجهاد في عصره وتبرز دوره في حروب التتار بشكل يجعل من الصعب ان يضاهيه فيه أحد.
المشكلة الآن أنه في الفترات السابقة كانت الرواية الرسمية هي الحاضر الوحيد في قراءة التاريخ وكانت الروايات الأخري مهمشة ومقصاة تماما أما في الوقت الراهن فإن حضور القراءات الإسلامية للتاريخ وأحداثه أصبح أمرا واقعا لا يمكن إهماله وأصبح لتلك الرؤية جمهور كبير وشريحة مهمة مؤثرة داخل المجتمع وقد أصاب ذلك التناقض البعض بالحيرة فأي رواية نصدق!
ربما كان التمزق والإنقسام الكائن بين أبناء شعبنا وأمتنا اليوم معزاه الي الإنقسام حول الرؤيتين ، فالجملة التي تقول" أمة بلا تاريخ أمة بلا حاضر ولا مستقبل" تصبح واقعا اذا كانت كل لحظة في تاريخنا وكل شخصية تاريخية أمرا من الأمور المختلف عليها ليس بيننا وبين الغرب بل بيننا وبين انفسنا !!

الجمعة، ١٢ سبتمبر ٢٠٠٨

"مصر بتتقدم بينا"

ألاحظ منذ فترة الانتشار الواسع في استخدام اللغة العامية كعناوين ومانشيتات صحفية في الكثير من الصحف والتي اصبح لها رواج كبير ومصداقية كبيرة داخل المجتمع المصري من امثلة جريدة الدستور وربما كان انتشار الكتابة بالعامية في تلك الصحف نتيجة مباشرة للانتشارالواسع للمدونات الالكترونية والتي تستخدم في غالبيتها اللغة العامية وكذلك انتشار استخدام الشعر العامي بين الشباب حتي اصبح كتابة الشعر باللغة الفصحي شيئا من الماضي بالنسبة للكثير منهم ولكن ما الذي ادي بنا إلي تلك الحالة ما الذي يدفع غالبية الشباب لاستخدام العامية بهذا الشكل خاصة في منتديات الانترنت ؟ ثم ما هذه التقاليع الجديدة في كتابة اللغة العامية بالحروف اللاتينية والارقام ؟
كان لابد من وقفة امام هذا الاكتساح الكبير للغة العامية علي حساب اللغة الأم ثم كان اختيار لجنة السياسات شعار الحزب الوطني الجديد "مصر بتتقدم بينا" واستخدام اللغة العامية لأول مرة في شعار سياسي أمرا مثير للكثير من الشجون وقد اعجبني كثيرا بحث في صورة مقال مطول للدكتور محمد عباس تناول فيه هذا الموضوع بإسهاب كما عودنا وهذا ملخص المقال :


لا ينبغي أبدا أن نتناول اختيار اللغة العامية في الشعار الرئيسي ببساطة أو باستهانة فالأمر أجل والخطب أطم ، فإن استعمال شعارا بالعامية للحزب يعد بمثابة رمزا يغوص في التاريخ فيحدد انحيازا واضحا لأعداء الفصحى و أنصار العامية، ليس في هذه القضية وحدها، ولكن في قضايا أخرى كالحجاب والتعليم والثقافة والانتماء والهوية والمرجعية. فكل هذه تتعلق بحزمة واحدة تحدد اختيار الناس وانتماءاتهم: إما الانتماء الإسلامي و إما الانتماء الغربي.
استعمل الحزب الوطني الحاكم إذن لأول مرة في تاريخ كل الأحزاب الحاكمة في العالم العربي شعارا بالعامية،
أمر لم تجرؤ عليه حكومات حكمت تحت الاحتلال كانت تدرك خطورة هذا الرمز ، وليسمح لنا القارئ أن نصطحبه في جولة طويلة نناقش فيها دلالات هذا الرمز وإشاراته ومراميه ومقاصده
يقول العلامة محمد قطب في سفره الجليل " واقعنا المعاصر" أن المطلوب في مجال الفكر والأدب كان قطع الصلة بين "الأجيال الحديثة" وبين تراثها الفكري والأدبي المستمد من الإسلام بالدعوة إلي اللغة العامية، لعل هذه اللغة أن تنمو وتترعرع – حين تصير لغة الفكر والأدب – فتقتل اللغة العربية، كما قتلت الفرنسية والإيطالية وغيرهما اللغة اللاتينية التي تفرعت عنها في صورة لغات عامية في مبدأ الأمر، ثم تحولت إلى لغات "حية" وقتلت اللغة الأم!
وفي ملحمته الرائعة " أباطيل وأسمار" يوضح العلامة محمود شاكر الأمر مشيرا إلى كتاب الدكتورة نفوسة زكريا "تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية و أثرها في مصر" وهو كما يقول العلامة كتاب ينبغي لكل عربي ولكل مسلم أن يقرأه من ألفه إلى يائه( والكتابان من المصادر الرئيسية لهذا البحث) .
كتاب الدكتورة نفوسة زكريا، واستعراض الأستاذ محمود شاكر يضعان قضية اللغة العامية في إطارها الصحيح الخطير، إنها ليست قضية هوى أو اختيار أو رأي. إنه موقف. والقضية هي معركة كبرى، بل أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، معركة البناء والهدم، والحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي الفصحى أو تفرقهم أشتاتا بلغات متنابذة هي اللغات العامية،
يقول الأمير مصطفى الشهابي: "إن اللهجات العربية العامية تعد بالعشرات بل بالمئات وكلها اليوم لا ضابط لها من نطاق أو صرف أو نحو أو اشتقاق أو تحديد لمعنى الألفاظ؛ فهي كلام العامة يستعمل في الأغراض المعاشية وفي علاقات الناس بعضهم ببعض .. وهذا الكلام وقتي لا يثبت على مرور الأيام، وموضعي لا يتجول من قطر عربي إلى قطر عربي آخر .. ومعناه أن اللهجات العامية لا يمكن أن تكون لغات علم وأدب وثقافة وليس في مقدورها أن تعيش طويلاً وأن يعم بعضها أو كلها، الأقطار العربية كافة، وكل ما يكتب بلهجة عامية يظل محصوراً في قطره وقلما يفهمه غير أبناء ذلك القطر أو غير طائفة من أبناء ذلك القطر، فإذا تدارسنا حقائق هذه اللهجات ووضعنا لكل منها قواعد رجراجة، فماذا تكون مغبة هذا العمل .
استعمال العامية إذن دعوة لتفتيت الأمة، وهو استجابة وتنفيذ للمخطط الصهيوني الصليبي لتفتيت الأمة بل والدولة أيضا.
ويذكر مصطفى صادق الرافعي أنه بعدما دخل المسلمون الأندلس، لم تمض ثلاثون سنة حتى أصبح الناس يخطون الكتب اللاتينية بأحرف عربية، كما كان يفعل اليهود بكتبهم العبرية. وما انقضى عمر رجل واحد حتى ألجأتهم الحاجة إلى ترجمة التوراة وقوانين الكنيسة إلى العربية، ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. وذلك يعني أن إلغاء الكتابة بأبجدية لغة معينة يجعل ما كان قد كتب بها غير ذي معنى في غضون جيل واحد فقط.
وكل محاولة لمحاربة الفصحى هي في الواقع محاربة للإسلام. ولقد عمل الاستعمار الغربي وعملاؤه دائما وما يزال لهدم اللغة العربية بحسب انها لسان الدين الإسلامي بالدعوة إلى استخدام اللهجات العامية لغة للتأليف والكتابة كما فعل اللورد ((دفرين)) السياسي البريطاني حين طالب بتدوين العلوم باللغة العامية المصرية. وكما حاول المستعمرون الفرنسيون في الجزائر.
يقول الإمام ابن تيمية:"إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
وفي كتاب ((اللغات السامية)) لارنست رينان تأكيد آخر لأثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، فهو يقول: "إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية.. حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة. ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى".
يشرح العلامة محمود شاكر الحكاية من مبتداها فيقول أن ما صدم أوروبا حين استفاقت من غفلتها أنها رأت من حولها عجبا، رأت أمما مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين إلى الهند، إلى جزر الهند إلى فارس إلى تركيا، إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقية إلى قلب القارة الأفريقية إلى سواحلها، بل إلى قلب أوروبا نفسها، تتلو كتابا واحدا يجمعها، يقرأه من لسانه العربية ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، ومن لم يحفظه جميعه حفظ بعضه ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات، وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، فكان عجبا أن لا يكون في الأرض كتاب كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق، قوة خارقة عجزت أوروبا عن قهرها بالحرب ، فراحت بالاستشراق الذي أنشأته لمواجهة الإسلام تبحث عن سلاح غير أسلحة القتال لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة وجعلها أمة واحدة، وسقطت أمة التوحيد في الغفلة والضعف فبدأ الانكسار وتم الغزو العسكري والاستشراق تحت رايته، وكان الهجوم الرئيسي على اللغة، فالشعوب التي تتحدث غير العربية يتم قهرها على التحدث بلغة الغازي، أما الشعوب العربية فقد وضعت الخطة لإبعادها عن لغتها تنفيذا لمخطط خبيث يلخصها وليم جيفورد بلجراف بقوله:
" متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة (يعني المسيحية) التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه"..
لقد استغرقت المعركة على اللغة وعلى القرآن قروناً طويلة جداً ، حتى أفلح المجرمون في الأرض في تجهيل بعض المسلمين وعزلهم عن لغة القرآن والسنَّة ، وفي إضعاف إيمانهم بالله واليوم الآخر من خلال جهد دؤوب وإصرار وعزم ، وتخطيط ودراسات ، واشتراك قوى كثيرة جداً في تحقيق ذلك.
كم منا يستطيع الآن قراءة معلقة من المعلقات السبع وكم منا يستطيع فهمها، كم منا يستطيع الرجوع إلى تراثنا في أمهات الكتب؟
فلا عجب بعد ذلك أن ترى اللغة العربية اليوم قد ضعفت ضعفاً مذهلاً بين أبنائها ، فعجمت ألسنة الكثيرين وغلب الجهل بها، حتى أن النخبة جلها، تكاد تموت خجلا لو أخطأت في نطق كلمة بالإنجليزية أو جهلت قاعدة من قواعدها، وفي نفس الوقت، تتيه فخرا حين تخطئ في العربية، وكأنها وصمة عار أو مرض معد يدل لحنهم فيها على براءتهم منه!.
يؤكد الدكتور أحمد بن نعمان أن اللغة من الناحية الشعورية والوجدانية تمثل روح الأمة، ومن الناحية الثقافية تمثل الوعاء والوسيلة الناقلة للأفكار والتقاليد والخبرات عبر الأجيال المتعاقبة على تاريخ الأمة، وكانت من الناحية السياسية هي معالم الحدود الحقيقية للرقعة الجغرافية الوطنية والقومية، ومن الناحية السيادية هي أهم أسس الهوية ومكونات الشخصية والوحدة الوطنية، لأية مجموعة بشرية، تعيش في انسجام على وجه الكرة الأرضية.
إن وسائل الإعلام بصورة عامة تخرب اللغة العربية ، فقد نشرت جريدة الأهرام في الملحق قصة باللغة العامية . إن التناحر السياسي وحب الذات والإقليمية والبلدانية فرضت على الإعلام لتكون هناك لغات متعددة ولهجات متباينة وأخذ بعض الكتاب العرب ينخرون في جسمها فكثرت الأشعار النبطية في الجرائد وأخذ بعض المسؤولين وقادة السياسة ينظمون باللغة النبطية أو العامية التي سميت الشعبية وكثرت دقات الطبول والزلفى لها، فهل يحس هؤلاء بمقدار الضرر الـذي يعـود علـى أمتهم المسلمة بفعلهم هذا؟
من كل هذا تأتي خطورة شعار الحزب الوطني :
"مصر بتتقدم بينا"..



وهذا رابط المقال من موقع الدكتور محمد عباس:

http://www.mohamadabbas.net/Ma2al/malek.htm