الجمعة، ٦ مارس ٢٠٠٩

رؤية خاصة بالدولة العثمانية

تعد الفترة العثمانية من اكثر الفترات المفتري عليها في التاريخ فمن منا يتذكر السؤال الذي كان يتكرر باستمرار في مناهج التعليم في مرحلة التعليم قبل الجامعي ( بم تفسر تردي الاوضاع الداخلية في مصر إبان الحكم العثماني؟ ) وكانت الاجابة النمطية بالطبع تدور حول مجموعة من الاسباب التي يحفظها الطالب عن ظهر قلب حتي تتحول بداخله إلي عقيدة راسخة غير قابلة للجدل ، وكان من ضمن تلك الاسباب المزعومة العزلة التي فرضتها الدولة العثمانية علي مصر وتهجير الحرفيين المهرة الي الاستانة حاضرة الدولة العثمانية ثم فرض اللغة التركية وإهمال العثمانيين للتعليم والري وما إلي ذلك من أسباب
والمتتبع للأدب العربي شعرا ونثرا خاصة في بداية القرن العشرين يري الهجوم الضاري الذي كان يشنه أصحاب الفكر القومي الوليد آنذاك علي الدولة العثمانية فبعض الكتاب الشوام من امثال جورجي زيدان نجدهم يتناولون العثمانيين باعتبارهم العدو اللدود للأمة العربية والجاثم علي صدور العرب والمعوق لتقدمهم وازدهارهم وانه اذا ما أراد العرب النهوض فعليهم باقتلاع انفسهم من هذه الدولة والسير علي النهج الأوربي في اقامة الدولة القومية ، هذا بالنسبة للشام أما إن جئنا إلي الحركة الوطنية المصرية اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فلم تكن أقل شراسة في عدائها للعثمانيين إلا بعض الاستثناءات القليلة ومنها علي سبيل المثال مصطفي كامل الذي لم يري أي اشكالية ما بين انتمائه لمصر ورؤيته المفعمة بالوطنية وبين انتماء مصر لدولة الخلافة العثمانية بل كان يري ان اعتبار مصر جزء من الدولة العثمانية مفيد للحركة الوطنية المصرية التي كانت تسعي لتحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي ، وتلك النظرة لمصطفي كامل كانت كما وضحت هي الاستثناء أما باقي رجال الحركة الوطنية في مصر فكانوا بناصبون العداء للعثمانيين ، وربما كان هناك عوامل عديدة أدت بأبناء الحركة الوطنية لتلك النتيجة فنحن لا يجب ان نندهش من موقفهم تجاه العثمانيين اذا علمنا ان هؤلاء هم ثمار جيل البعثات التي أرسلها محمد علي إلي اوربا والذين نهلوا من حضارتها وتشبعوا بقيمها واذا علمنا ان اوربا كانت تري في الدولة العثمانية المارد الشرير الجاثم في شرق اوربا الذي كان يقض مضاجع الاوربيين لعدة قرون ويهدد حضارتهم ووجودهم تلك الصورة انعكست بالتالي علي طلاب البعثات الذين حملوا نفس تصورات الاوربيين تلك فعادوا يعلمون قيم الحضارة الأوربية - باعتبارها قمة الحضارة الانسانية - لابناء الطبقة الارستقراطية الذين تشكلت منهم الحركة الوطنية في مصر فيما بعد ، كذلك الحال بالنسبة للاسر الشامية العريقة التي تعلم ابنائها في اوربا وعادوا محملين بنفس الافكار ونفس القيم ونفس الرؤية السلبية للعثمانيين
ولكن هناك سمة اختلاف بين الحالة المصرية والحالة الشامية أدت لتبني كلا منهما رؤية مختلفة رغم تشابه المنطلقات ، فطبيعة القطر المصري المتجانسة وكذلك البدايات التي قام بها محمد علي في بناء دولته وازدهارها السريع وبشكل منفرد قد كون صورة متمايزة عند ابناء الحركة الوطنية المصرية فكانت حركتهم مصرية خالصة لم تتبلور فيها اية تطلعات قومية ، أما بالنسبة للحالة الشامية بما تمثله من تناقضات واعراق مختلفة وديانات ومذاهب وطوائف متعددة وحكومات متناثرة علي مساحة ليست كبيرة من الارض أدي كل ذلك لحتمية وجود فكرة تجمع بين كل هذه التناقضات فكانت فكرة القومية العربية هي ما انتهي اليه المثقفين وما يطلق عليهم التنويريون هناك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق