الجمعة، ١٢ سبتمبر ٢٠٠٨

"مصر بتتقدم بينا"

ألاحظ منذ فترة الانتشار الواسع في استخدام اللغة العامية كعناوين ومانشيتات صحفية في الكثير من الصحف والتي اصبح لها رواج كبير ومصداقية كبيرة داخل المجتمع المصري من امثلة جريدة الدستور وربما كان انتشار الكتابة بالعامية في تلك الصحف نتيجة مباشرة للانتشارالواسع للمدونات الالكترونية والتي تستخدم في غالبيتها اللغة العامية وكذلك انتشار استخدام الشعر العامي بين الشباب حتي اصبح كتابة الشعر باللغة الفصحي شيئا من الماضي بالنسبة للكثير منهم ولكن ما الذي ادي بنا إلي تلك الحالة ما الذي يدفع غالبية الشباب لاستخدام العامية بهذا الشكل خاصة في منتديات الانترنت ؟ ثم ما هذه التقاليع الجديدة في كتابة اللغة العامية بالحروف اللاتينية والارقام ؟
كان لابد من وقفة امام هذا الاكتساح الكبير للغة العامية علي حساب اللغة الأم ثم كان اختيار لجنة السياسات شعار الحزب الوطني الجديد "مصر بتتقدم بينا" واستخدام اللغة العامية لأول مرة في شعار سياسي أمرا مثير للكثير من الشجون وقد اعجبني كثيرا بحث في صورة مقال مطول للدكتور محمد عباس تناول فيه هذا الموضوع بإسهاب كما عودنا وهذا ملخص المقال :


لا ينبغي أبدا أن نتناول اختيار اللغة العامية في الشعار الرئيسي ببساطة أو باستهانة فالأمر أجل والخطب أطم ، فإن استعمال شعارا بالعامية للحزب يعد بمثابة رمزا يغوص في التاريخ فيحدد انحيازا واضحا لأعداء الفصحى و أنصار العامية، ليس في هذه القضية وحدها، ولكن في قضايا أخرى كالحجاب والتعليم والثقافة والانتماء والهوية والمرجعية. فكل هذه تتعلق بحزمة واحدة تحدد اختيار الناس وانتماءاتهم: إما الانتماء الإسلامي و إما الانتماء الغربي.
استعمل الحزب الوطني الحاكم إذن لأول مرة في تاريخ كل الأحزاب الحاكمة في العالم العربي شعارا بالعامية،
أمر لم تجرؤ عليه حكومات حكمت تحت الاحتلال كانت تدرك خطورة هذا الرمز ، وليسمح لنا القارئ أن نصطحبه في جولة طويلة نناقش فيها دلالات هذا الرمز وإشاراته ومراميه ومقاصده
يقول العلامة محمد قطب في سفره الجليل " واقعنا المعاصر" أن المطلوب في مجال الفكر والأدب كان قطع الصلة بين "الأجيال الحديثة" وبين تراثها الفكري والأدبي المستمد من الإسلام بالدعوة إلي اللغة العامية، لعل هذه اللغة أن تنمو وتترعرع – حين تصير لغة الفكر والأدب – فتقتل اللغة العربية، كما قتلت الفرنسية والإيطالية وغيرهما اللغة اللاتينية التي تفرعت عنها في صورة لغات عامية في مبدأ الأمر، ثم تحولت إلى لغات "حية" وقتلت اللغة الأم!
وفي ملحمته الرائعة " أباطيل وأسمار" يوضح العلامة محمود شاكر الأمر مشيرا إلى كتاب الدكتورة نفوسة زكريا "تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية و أثرها في مصر" وهو كما يقول العلامة كتاب ينبغي لكل عربي ولكل مسلم أن يقرأه من ألفه إلى يائه( والكتابان من المصادر الرئيسية لهذا البحث) .
كتاب الدكتورة نفوسة زكريا، واستعراض الأستاذ محمود شاكر يضعان قضية اللغة العامية في إطارها الصحيح الخطير، إنها ليست قضية هوى أو اختيار أو رأي. إنه موقف. والقضية هي معركة كبرى، بل أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، معركة البناء والهدم، والحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي الفصحى أو تفرقهم أشتاتا بلغات متنابذة هي اللغات العامية،
يقول الأمير مصطفى الشهابي: "إن اللهجات العربية العامية تعد بالعشرات بل بالمئات وكلها اليوم لا ضابط لها من نطاق أو صرف أو نحو أو اشتقاق أو تحديد لمعنى الألفاظ؛ فهي كلام العامة يستعمل في الأغراض المعاشية وفي علاقات الناس بعضهم ببعض .. وهذا الكلام وقتي لا يثبت على مرور الأيام، وموضعي لا يتجول من قطر عربي إلى قطر عربي آخر .. ومعناه أن اللهجات العامية لا يمكن أن تكون لغات علم وأدب وثقافة وليس في مقدورها أن تعيش طويلاً وأن يعم بعضها أو كلها، الأقطار العربية كافة، وكل ما يكتب بلهجة عامية يظل محصوراً في قطره وقلما يفهمه غير أبناء ذلك القطر أو غير طائفة من أبناء ذلك القطر، فإذا تدارسنا حقائق هذه اللهجات ووضعنا لكل منها قواعد رجراجة، فماذا تكون مغبة هذا العمل .
استعمال العامية إذن دعوة لتفتيت الأمة، وهو استجابة وتنفيذ للمخطط الصهيوني الصليبي لتفتيت الأمة بل والدولة أيضا.
ويذكر مصطفى صادق الرافعي أنه بعدما دخل المسلمون الأندلس، لم تمض ثلاثون سنة حتى أصبح الناس يخطون الكتب اللاتينية بأحرف عربية، كما كان يفعل اليهود بكتبهم العبرية. وما انقضى عمر رجل واحد حتى ألجأتهم الحاجة إلى ترجمة التوراة وقوانين الكنيسة إلى العربية، ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. وذلك يعني أن إلغاء الكتابة بأبجدية لغة معينة يجعل ما كان قد كتب بها غير ذي معنى في غضون جيل واحد فقط.
وكل محاولة لمحاربة الفصحى هي في الواقع محاربة للإسلام. ولقد عمل الاستعمار الغربي وعملاؤه دائما وما يزال لهدم اللغة العربية بحسب انها لسان الدين الإسلامي بالدعوة إلى استخدام اللهجات العامية لغة للتأليف والكتابة كما فعل اللورد ((دفرين)) السياسي البريطاني حين طالب بتدوين العلوم باللغة العامية المصرية. وكما حاول المستعمرون الفرنسيون في الجزائر.
يقول الإمام ابن تيمية:"إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
وفي كتاب ((اللغات السامية)) لارنست رينان تأكيد آخر لأثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، فهو يقول: "إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية.. حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة. ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى".
يشرح العلامة محمود شاكر الحكاية من مبتداها فيقول أن ما صدم أوروبا حين استفاقت من غفلتها أنها رأت من حولها عجبا، رأت أمما مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين إلى الهند، إلى جزر الهند إلى فارس إلى تركيا، إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقية إلى قلب القارة الأفريقية إلى سواحلها، بل إلى قلب أوروبا نفسها، تتلو كتابا واحدا يجمعها، يقرأه من لسانه العربية ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، ومن لم يحفظه جميعه حفظ بعضه ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات، وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، فكان عجبا أن لا يكون في الأرض كتاب كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق، قوة خارقة عجزت أوروبا عن قهرها بالحرب ، فراحت بالاستشراق الذي أنشأته لمواجهة الإسلام تبحث عن سلاح غير أسلحة القتال لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة وجعلها أمة واحدة، وسقطت أمة التوحيد في الغفلة والضعف فبدأ الانكسار وتم الغزو العسكري والاستشراق تحت رايته، وكان الهجوم الرئيسي على اللغة، فالشعوب التي تتحدث غير العربية يتم قهرها على التحدث بلغة الغازي، أما الشعوب العربية فقد وضعت الخطة لإبعادها عن لغتها تنفيذا لمخطط خبيث يلخصها وليم جيفورد بلجراف بقوله:
" متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة (يعني المسيحية) التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه"..
لقد استغرقت المعركة على اللغة وعلى القرآن قروناً طويلة جداً ، حتى أفلح المجرمون في الأرض في تجهيل بعض المسلمين وعزلهم عن لغة القرآن والسنَّة ، وفي إضعاف إيمانهم بالله واليوم الآخر من خلال جهد دؤوب وإصرار وعزم ، وتخطيط ودراسات ، واشتراك قوى كثيرة جداً في تحقيق ذلك.
كم منا يستطيع الآن قراءة معلقة من المعلقات السبع وكم منا يستطيع فهمها، كم منا يستطيع الرجوع إلى تراثنا في أمهات الكتب؟
فلا عجب بعد ذلك أن ترى اللغة العربية اليوم قد ضعفت ضعفاً مذهلاً بين أبنائها ، فعجمت ألسنة الكثيرين وغلب الجهل بها، حتى أن النخبة جلها، تكاد تموت خجلا لو أخطأت في نطق كلمة بالإنجليزية أو جهلت قاعدة من قواعدها، وفي نفس الوقت، تتيه فخرا حين تخطئ في العربية، وكأنها وصمة عار أو مرض معد يدل لحنهم فيها على براءتهم منه!.
يؤكد الدكتور أحمد بن نعمان أن اللغة من الناحية الشعورية والوجدانية تمثل روح الأمة، ومن الناحية الثقافية تمثل الوعاء والوسيلة الناقلة للأفكار والتقاليد والخبرات عبر الأجيال المتعاقبة على تاريخ الأمة، وكانت من الناحية السياسية هي معالم الحدود الحقيقية للرقعة الجغرافية الوطنية والقومية، ومن الناحية السيادية هي أهم أسس الهوية ومكونات الشخصية والوحدة الوطنية، لأية مجموعة بشرية، تعيش في انسجام على وجه الكرة الأرضية.
إن وسائل الإعلام بصورة عامة تخرب اللغة العربية ، فقد نشرت جريدة الأهرام في الملحق قصة باللغة العامية . إن التناحر السياسي وحب الذات والإقليمية والبلدانية فرضت على الإعلام لتكون هناك لغات متعددة ولهجات متباينة وأخذ بعض الكتاب العرب ينخرون في جسمها فكثرت الأشعار النبطية في الجرائد وأخذ بعض المسؤولين وقادة السياسة ينظمون باللغة النبطية أو العامية التي سميت الشعبية وكثرت دقات الطبول والزلفى لها، فهل يحس هؤلاء بمقدار الضرر الـذي يعـود علـى أمتهم المسلمة بفعلهم هذا؟
من كل هذا تأتي خطورة شعار الحزب الوطني :
"مصر بتتقدم بينا"..



وهذا رابط المقال من موقع الدكتور محمد عباس:

http://www.mohamadabbas.net/Ma2al/malek.htm




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق