دخلت إلي القاعة "41" وما لبثت أن أجلس حتي بدأت أنقل عينيا باحثا عنها ..... استغرق البحث ثوان عديدة مرت عليّ كسنوات .. حتي تمكنت من العثور عليها فاطمئن قلبي قليلا .. لكن موقعها كان لا يسمح لي برؤية وجهها .. فقد كان هناك عدة صفوف من الزملاء أمامي يحولون بيني وبين رؤيتها .. فكان يلزمني أن أنحني يمني ويسري حتي يتسني لي رؤية مؤخرة رأسها الذي تلتف حوله في إحتشام ووقار الطرحة ذات اللون الاصفر الفاتح المميزة التي أحببتها كثيرا .. وبعد محاولات يائسة لرؤيتها إستسلمت صابرا حتي تنتهي المحاضرة .. وكنت اشغل نفسي بالكتابة تارة وبمداعبة صديقي " السيد" تارة اخري .. وأخيرا انتهت المحاضرة وتعالت الأصوات وكثرت وخرج الكثير من الزملاء من القاعة .. ما لبثت الأصوات أن خفتت شيئا فشيئا وجلس من تبقي من الزملاء داخل القاعة يتحدثون ويتحاكون ويتضاحكون وبدأت محاولات "السيد" في أن يتجاذب معي أطراف الحديث .. ولكني كنت في وادٍ آخر .. فقد كان بصري مصوبا نحو شئ واحد ومتعلقا به لا أكاد ابصر شيئا سواه .. كنت متلهفا لأري وجهها الذي لم أره منذ خمسة عشر ساعة كاملة .. وفجأة .. وبينما كنت مستغرقا في التفكير .. باغتتني بالإلتفات إلي صديقتها الجالسة إلي جوارها .. فإنخلع قلبي حين رأيت إشراقة وجهها .. و تصدعت الضلوع بداخلي حين لمحت بريق عينيها .. ولم تبق في جسدي شعرة إلا تحركت حين باغتتني ثانية بإبتسامة توقف عندها النبض في عروقي .. لم ينقذني من هول ذلك الموقف إلا صرخة "السيد" في وجهي حين وجدني شاردا عنه غير مكترث بحديثه .. فإلتفت إليه علي إصر صرخته .. لأجد ومضات الدفء تتسرب إلي كل خلية من خلايا وجههي ليتورد كالعادة .. أردت أن أصرفه عني بأقصي سرعة ممكنة لأواصل المشهد مرة أخري فسألته "ما رأيك في الدكتور عادل منصور؟" ليبدأ هو في الحديث المطول كعادته .. وأعود أنا للمشهد الذي صهرت فيه منذ لحظات .. لأشاهد وأفكر وأتسائل .. أي وجه هذا الذي أري؟ .. هل هي الشمس وقد اشرقت لتضئ الدنيا وتحييها؟ .. أم أنه الصبح قد انلفج وملأ الدنيا بنوره وثورته وهمهماته؟ .. أم أنه البدر وقد اكتمل ليسحر ويأسر كل الناظرين؟ .. هل هي فتاة تعيش دنيانا وتتنفس هوائنا وتأكل مما نأكل؟ .. أم أنها آية من عند الله أنزلها من السماء ليري أهل الارض بديع صنعه وعظم تصويره وخلقه؟ .. إزدحمت الأفكار والتساؤلات برأسي وجال بخاطري سؤال ملح .. هل أحبها بالفعل؟ .. أم أنه مجرد إفتتان بإشراقة وجهها؟
الثلاثاء، ٣١ مارس ٢٠٠٩
الأحد، ٢٩ مارس ٢٠٠٩
رجل غيور
ما هذا الرجل الصالح الفقيه الغيور علي حال الامة ؟!!
قابلته في محطة القطار مصادفة ، يتكلم عن حال الامة بشكل غير تقليدي فهو يتحدث عن مخططات لتدمير رموز الامة ويخص بالذكر رمزان اساسيان من رموز الامة هما اللغة العربية وآل البيت!!
اصابني بالاحباط وخيبة الظن في البداية حينما ذكر آل البيت فخلته رجلا صوفيا محدود المعرفة ، ثم هالني ما وجدت لديه من سمو ثقافي قلما اجده فانتابني شعور بأنه رجلا شيعيا او متأثرا بالمذهب الشيعي، لكن كل هذه الافكار تلاشت حين تعمقنا في الحوار الهادئ الذي تأثرت به كثيرا
كنت جالسا علي احد المقاعد داخل محطة القطار وبجواري ومن حولي مجموعة من الطلاب والطالبات المنتظرين لوصول القطار وكان هو جالسا خلفي مباشرة فحدثت مشاجرة عابرة بين بعض الطلبة وانفضت كالعادة عقب اثارة بعض الضوضاء في المكان وبعد ان هدأت الامور وجدته يحاول ان يرطب الاجواء ويفتح باب للحديث معي ومع الطلاب حين لاحظ ان حائط المحطة مكتوب عليه كلمة "الامبراطور" فقال موجها الكلام للطلاب: "هل يعرف احد منكم جمع كلمة امبراطور؟ فرد كل واحد منهم اجابة مختلفة ومتعثرة ومضحكة احيانا وحين انتهوا الي عدم معرفة الاجابة الصحيحة رأيته يتوجه إلي بالسؤال نفسه فأجبته "جمعها أباطرة " فابتسم لي فباغته أنا بسؤال في نفس المجال عن جمع كلمة إمرأة ، وكانت محاولة مني للتودد إليه ولإستمرار الحوار فقد اثار فضولي بكياسته ووقاره وبالفعل كان ما أردت وبدأ الطلاب في الإنصراف واحدا تلو الاخر وبدأ الحوار بيني وبينه يمتد ويتعمق حتي جاء القطار الذي ينتظره الرجل فقام إليه مسرعا ونسيت حتي ان أسأله عن اسمه أو مهنته أو عن طريقة للإتصال به ولشد ما أحزنني ذلك
ربما آتي علي سرد هذا الحوار يوما ما لكني وددت ان اضع هذه التدوينة حتي تظل تذكرني بهذا الرجل الجليل الذي أدعو الله ان يجمعني به مرة أخري في الدنيا وأن يجمعني به والصالحين من عباده في جنات النعيم .
الجمعة، ٦ مارس ٢٠٠٩
رؤية خاصة بالدولة العثمانية
تعد الفترة العثمانية من اكثر الفترات المفتري عليها في التاريخ فمن منا يتذكر السؤال الذي كان يتكرر باستمرار في مناهج التعليم في مرحلة التعليم قبل الجامعي ( بم تفسر تردي الاوضاع الداخلية في مصر إبان الحكم العثماني؟ ) وكانت الاجابة النمطية بالطبع تدور حول مجموعة من الاسباب التي يحفظها الطالب عن ظهر قلب حتي تتحول بداخله إلي عقيدة راسخة غير قابلة للجدل ، وكان من ضمن تلك الاسباب المزعومة العزلة التي فرضتها الدولة العثمانية علي مصر وتهجير الحرفيين المهرة الي الاستانة حاضرة الدولة العثمانية ثم فرض اللغة التركية وإهمال العثمانيين للتعليم والري وما إلي ذلك من أسباب
والمتتبع للأدب العربي شعرا ونثرا خاصة في بداية القرن العشرين يري الهجوم الضاري الذي كان يشنه أصحاب الفكر القومي الوليد آنذاك علي الدولة العثمانية فبعض الكتاب الشوام من امثال جورجي زيدان نجدهم يتناولون العثمانيين باعتبارهم العدو اللدود للأمة العربية والجاثم علي صدور العرب والمعوق لتقدمهم وازدهارهم وانه اذا ما أراد العرب النهوض فعليهم باقتلاع انفسهم من هذه الدولة والسير علي النهج الأوربي في اقامة الدولة القومية ، هذا بالنسبة للشام أما إن جئنا إلي الحركة الوطنية المصرية اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فلم تكن أقل شراسة في عدائها للعثمانيين إلا بعض الاستثناءات القليلة ومنها علي سبيل المثال مصطفي كامل الذي لم يري أي اشكالية ما بين انتمائه لمصر ورؤيته المفعمة بالوطنية وبين انتماء مصر لدولة الخلافة العثمانية بل كان يري ان اعتبار مصر جزء من الدولة العثمانية مفيد للحركة الوطنية المصرية التي كانت تسعي لتحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي ، وتلك النظرة لمصطفي كامل كانت كما وضحت هي الاستثناء أما باقي رجال الحركة الوطنية في مصر فكانوا بناصبون العداء للعثمانيين ، وربما كان هناك عوامل عديدة أدت بأبناء الحركة الوطنية لتلك النتيجة فنحن لا يجب ان نندهش من موقفهم تجاه العثمانيين اذا علمنا ان هؤلاء هم ثمار جيل البعثات التي أرسلها محمد علي إلي اوربا والذين نهلوا من حضارتها وتشبعوا بقيمها واذا علمنا ان اوربا كانت تري في الدولة العثمانية المارد الشرير الجاثم في شرق اوربا الذي كان يقض مضاجع الاوربيين لعدة قرون ويهدد حضارتهم ووجودهم تلك الصورة انعكست بالتالي علي طلاب البعثات الذين حملوا نفس تصورات الاوربيين تلك فعادوا يعلمون قيم الحضارة الأوربية - باعتبارها قمة الحضارة الانسانية - لابناء الطبقة الارستقراطية الذين تشكلت منهم الحركة الوطنية في مصر فيما بعد ، كذلك الحال بالنسبة للاسر الشامية العريقة التي تعلم ابنائها في اوربا وعادوا محملين بنفس الافكار ونفس القيم ونفس الرؤية السلبية للعثمانيين
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
