حين قرأت نبأ مقتل الشاب الإخواني الذي كان يعلق دعاية للدكتور محمد مرسي في
قرية ميت الكرما بطلخا- الدقهلية - لاح في خاطرتي شريطا من الذكريات لأحداث مضت
وتوارت وكاد ان يلفها النسيان وسط هذه الأجواء السياسية الملتهبة وتلك الفتن المتعاقبة
التي تجعل من الحليم حيران ، فقد تتابعت في ذهني مشاهد أليمة من جنازة الأخ الشهيد
بإذن الله طارق الغنام الذي قتل في طلخا أيضا في مثل هذا الشهر (مايو) من عام 2005
أثناء إحتجاجات الإخوان علي تعديل المادة 76 من الدستور تمهيدا لتوريث الحكم.
تذكرت أعدادا لا تحصي من عربات الأمن المركزي علي جانبي الطريق وعشرات
الألاف من المجندين الغلابة ممن دفعهم قدرهم لأن يكونوا جندا لفرعون ، وعلي الرغم
من الظلام والليل والسكون المطبق بعد أن أجبر الأمن أسرة الفقيد علي دفنه ليلا إلا
أن زبانية مبارك لم يكتفوا بذلك فقاموا بإغلاق كافة الطرق المؤدية إلي المقابر إلا
طريقا واحدا ضيقا مظلما ومن يجرؤ علي التفكير في حضور تشييع الجنازة يتحتم عليه أن
تفتشه أعين الضباط والمخبرين لإرهابه بأن كل خطوة يخطوها مرصودة ومسجلة عليه من قبل
زبانية أمن الدولة.
ارتجلت ماشيا وسط تلك الأجواء وحين مضيت في الطريق الطويل الممتد إلي
المقابر وبعد قليل وجدت شابا لا أعرفه يسير وحده علي مقربة مني وكأني به يضرم
الأرض نارا بخطواته الغاضبة نحو المقابر غير مكترث بكل تلك الحشود من الجنود
المدججين بالسلاح من حوله ، اقترب مني وسلم علي وحاورني ووجدته يعرفني ويعرف بعض
أصدقائي ولكني لم أعرفه ولم أسأله عن اسمه حتي وصلنا إلي المقابر ليذوب فجأة وسط
إخوانه ولا أري له أثرا بعدها وكأنه ملاكا أرسله الله ليثبتني ويؤنس وحشة ذلك
الطريق.
حين وصلت وجدت الألاف من الإخوان المكلومين بمصابهم يعج بهم المكان ، يقتلهم
الألم ويعتصرهم الحزن علي أخيهم بعد أن كابدوا مشقة ذلك الطريق المروع وسط الظلام
الدامس الذي أحاط بجنبات المكان بعد أن قطعت الكهرباء عن المنطقة بأسرها ، وهالني
حشدهم الكبير الذي لم أكن أتوقعه وسط كل تلك الأجواء ، فتوقعت حينها أن تتزلزل الأرض
بهتافاتهم ولكن العكس تماما هو ما حدث فكانوا رابطي الجأش بشكل عجيب، يخيم عليهم
الصمت والسكون في خشوع وكانت الحماسة تأخذ بعض المجموعات من الشباب الصغير بين
الحين والحين فيبدءون في الهتاف وكلما فعلوا ذلك بادرهم صوت الشيخ عبد الرحمن البر
يأمرهم بنبرة ملؤها الرفق والحزم معا بأن يراعوا حرمة المقابر وألا يرددوا أية هتافات
ويذكرهم بالدعاء لأخيهم الشهيد فيعودون للهدوء مرة أخري برباطة جأش منقطعة النظير
، لا أعرف أنيّ لهم بها.
في ذلك الوقت لم أسمع من الإخوان كلمات علي شاكلة أن القوي السياسية الأخري
باعت الإخوان ولم تؤازرهم في مطالبهم بالإصلاح السياسي ، ولم يتهموا أحدا بخيانتهم
حين كان زبانية أمن الدولة يتخطفونهم من مساكنهم ويصادرون أموالهم ويحاكمونهم
محاكمات عسكرية ولا يحرك أحدا ساكنا ، ولم يصب الإخوان جام غضبهم علي الشعب البسيط
الذي صدق الرواية الرسمية الكاذبة وقتها بأن الأخ طارق الغنام مات نتيجة الزحام
والتدافع !! ولم يكن أحدا من الإعلاميين الأشاوس المتباكين علي شهداء الثورة الأن
حاضرا وقتها ليبكي رجلا قتل بيد الأمن اثناء تنديده بالتوريث وترك ورائه أرملة
وثلاثة أبناء أحدهم عمره ثلاثة شهور ، فقط الإخوان المسلمين وحدهم ليس لهم بواكي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق