ثلاث وأربعون عاما مضت علي رحلة "أبوللو11" إلي القمر ،
Fly me to the moon,
let me play among the stars
Let me see what spring is like On Jupiter and Mars...
كانت تلك بعض كلمات أغنية "فرانك سيناترا" المطرب الأشهر في أمريكا في عقد الستينات حيث كان يغني والعالم كله من أقصاه إلي أدناه يستمع إليه في نشوة ويشاهد ما يحدث أمامه علي الشاشات في ذهول ، فلقد نجح الإعلام الغربي أن يجمع البشرية جمعاء أمام شاشات التلفاز لتتابع هبوط الإنسان "الأميركي" علي سطح القمر في الوقت الذي كان فيه أكثر من ثلثي سكان العالم لا يزالون يتخبطون في الجهل والفقر والأمية .
ومن سلسلة أفلام "جيمس بوند" رجل المخابرات البريطاني المعجزة إلي "رامبو" و"سوبر مان" لتتوالي أفلام هوليود في تمجيد الإنسان الغربي "الهيرو" الذي يدافع عن الضعفاء ويحارب الظلام وينقذ البشرية من الكائنات الفضائية التي تغير علي كوكب الأرض!! لنري بعدها ظهور الأجيال المتأمركة في بلادنا والتي تأكل الماكدونالدز وتلبس الجينز وتسمع البوب والروك والميتال ميوزيك وتعيش الحلم الأمريكي .
تكرر المشهد الهوليودي بحبكته الدرامية عند سقوط حائط برلين الذي صورته الألة الإعلامية الغربية علي أنه الخلاص للشعب الألماني لتبدء من بعده قطع الدومينو التالية للمعسكر الشرقي في السقوط دون كلفة مادية أو عسكرية !
فعلها الغرب مرة أخري عام 1990 تمهيدا لحرب الخليج ، حيث قام الإعلام الغربي بتصوير "صدام حسين" علي أنه الديكتاتور الطاغية الذي احتل الكويت ويهدد جيرانه العرب (الطيبين) ويهدد الإنسانية ويمتلك أسلحة الدمار الشامل القادرة علي تدمير الكرة الأرضية ست مرات! ليتم حشد العالم مرة أخري لقمع ذلك المارق القابع في بغداد ، وليمدد الغرب أقدامه بعدها في أرض الأنبياء والبترول !!
وفي بداية الألفية الجديدة يفعلها الغرب مجددا ويجمع العالم أمام الشاشات ليتابع المشهد الهوليودي التاريخي لسقوط برجي مبني التجارة العالمي في نيويورك علي أيدي مجموعة من الشباب المسلم وتصاعد الدخان فوق تمثال الحرية ، وبالرغم من أن الناس اختلفوا وانقسموا بين السعادة أوالحزن أوالخوف جراء ما حدث إلا أن الألة الإعلامية الغربية جعلت لا أحد يندهش أو يستنكر أن يدق الغرب طبول الحرب لغزو العراق وأفغانستان بل أصبح من حق الغرب أن "يحمي نفسه" ويقوم بالإغارة علي أي مكان في العالم ويقتل من يشاء وقتما شاء تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الإسلامي!!
المدهش بحق أن ذكري سقوط البرجين تتجدد كل عام وتسكب الألة الإعلامية الغربية العبرات علي ضحاياهم "الأبرياء" أما ضحايانا نحن "غير الأبرياء" من مئات الألاف من المسلمين في العراق وأفغانستان ما بين قتيل وجريح وسجين فلا يذكرهم أحد ولا بواكي لهم !!
ثم ها هي الألة الإعلامية الجبارة للغرب تتحرك من جديد لتحشد البشرية أمام الشاشات لمشاهدة المغامر الغربي الشجاع "رامبو الجديد" الذي سيحطم قوانين الطبيعة ويخترق نواميس الكون ويقفز من حدود الغلاف الجوي للأرض وتنسج الحكايات حوله وتطلق الشائعات والأكاذيب التي تهول من الأمر وتجعل منه حدثا تاريخيا فريدا ، ولنحلل هنا ما فعله ذلك المغامر النمساوي الهمام "فيليكس":
قام الرجل بعد تجهيزه وتأمينه بكافة أجهزة السلامة وإعداده بدنيا ونفسيا بالقفز من منطاد معلق في طبقة ستراتوسفير علي ارتفاع 127 ألف قدم أي ما يعادل حوالي 40 ألف متر وهو الإرتفاع الذي غالبا ما تحلق فيه الطائرات وبالطبع ليس هو حد الغلاف الجوي (كما يتصور البعض) فالغلاف الجوي اكثر سمكا بكثير ( أكثر من 300 ألف متر) ولكن السترة الواقية التي لبسها فيليكس لا يمكنها تحمل إرتفاع أكبر من ذلك ، فكلما ابتعد فيليكس عن الأرض سيحتاج سترة أكثر سمكا وأكثر قدرة علي تحمل الضغط المنخفض والبرودة الشديدة فضلا عن الأشعة الضارة ، أما عن تجاوز سرعة الصوت وأنه استطاع إثبات خطأ قانون نيوتن في الهيدروديناميكا فإن هذا القانون قد ثبت خطؤه منذ بدايات القرن العشرين !! وكثير من الطائرات حاليا تتجاوز في سرعتها سرعة الصوت بسهولة ، أما قانون السرعة الحدية للسقوط الحر والذي ينفي وصول الأجسام التي تسقط سقوطا حرا إلي سرعة الصوت ويثبت وجود سرعة حدية لا يمكن تجاوزها حال السقوط الحر فهذا خاص بالأجسام التي تسقط من ارتفاع قريب من سطح الأرض حيث الضغط الجوي ومقاومة الهواء كبيرة نسبيا أما الأجسام التي تسقط من ارتفاعات شاهقة (ضغط مخفض جدا ومقاومة هواء ضعيفة جدا ) كما هو الحال في قفزة مغامرنا فلا ينطبق عليها هذا القانون وهذه كلها حقائق علمية معروفة من قبل ميلاد فيليكس !!!
الحقيقة الوحيدة هنا أن الغرب اعتاد توظيف أي حادث مهما كان بسيط أو ربما اختلاق أحداث من العدم وحبكها دراميا علي طريقة "أفلام الأكشن" وحشد العالم لمتابعتها لخلق رأي عام عالمي أو لتغيير تركيبة ثقافية لأمة من الأمم أو لعمل حشد عسكري أو لإثبات ثقله الحضاري وتفوقه العلمي والتقني علي باقي شعوب العالم ، ولايزال الإعلام الغربي متفوقا بجدارة ولا يكاد ينافسه أحد في الترويج لنفسه إلا أذنابه في مجتمعاتنا العربية الإسلامية !!!
وكما كان الإعلام الغربي صاحب الدور الأكبر في إنتصار الغرب ممثلا في الولايات المتحدة علي الإتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ، ها هو يمارس دوره بإمتياز في تأليه الغرب وبث روح اليأس والإنهزامية لدي تلك الشعوب الثائرة التي هبت لإيقاظ أمتها بعد ثبات طويل .


