أعتقد أنه لا يوجد شعب في العالم أكثر تخبطا وحيرة في قراءة تاريخه من الشعب المصري، وربما كان حضور الرواية التاريخية من وجهة نظر اسلامية الي جوار الرواية الرسمية التي تتبناها الدولة في قراءة التاريخ له اثر كبير في حدوث هذا التخبط وتلك الحيرة ،
فعلي سبيل المثال نجد أنه بعد أن جاءت ثورة يوليو قامت بتشويه منظم لتاريخ الفترة الملكية السابقة فجعلت من كل من وقف في صف العائلة المالكة وساندها خائنا للوطن وعميلا للإستعمار وصنعت من كل من كان معارضا للحكم ومتمردا عليه في تلك الفترة بطلا قوميا ،
هذا الحال نجده يتكرر في الوقت الراهن حين نقرأ التاريخ من وجهة نظر الإسلاميين فنجد ان كل شخصية تاريخية لا تنتمي للمنهج الاسلامي يضعها الإسلاميون في سلة الخونة المارقين عن الحق والدين.
هذا الحال نجده يتكرر في الوقت الراهن حين نقرأ التاريخ من وجهة نظر الإسلاميين فنجد ان كل شخصية تاريخية لا تنتمي للمنهج الاسلامي يضعها الإسلاميون في سلة الخونة المارقين عن الحق والدين.
إذا تناولنا ثورة يوليو من هذا المنطلق نجد أن الخلاف بين القرائتين الرسمية والاسلامية لهذه المرحلة التاريخية مذهلا حقا ، وأطرافه حاضرين بيننا يتراشقون السهام فيما بينهم ، ففي الوقت الذي درسنا فيه في مراحل تعليمنا عن انجازات ثورة يوليو "المباركة" وسمعنا من آبائنا عن الزعيم "الخالد" عبد الناصر ومواقفه الشجاعة تجاه اسرائيل والغرب المستعمر نجد الهجوم الساحق من قبل الإسلاميين علي الرجل وعلي الثورة ككل وجميع رجالاتها ومشاريعها القومية.
ويذهل المرء حين يقرأ عن الثورة العرابية التي تمجدها الروايات الرسمية وتمجدها كتب التاريخ التي تدرس للطلاب الآن ثم يجد الهجوم الساحق علي الحركة العرابية من وجهة نظر الإسلاميين فهي من وجهة نظرهم خاصة السلفيين منهم خروجا علي ولي الأمر بل إنهم يعزون الإحتلال الإنجليزي لمصر إليها بل إن شخصية الخديوي توفيق والذي يكاد يكون متعارفا عليه بين البسطاء علي أنه الخائن الذي أتي بالاحتلال إلي مصر تلك الشخصية نراها برؤية جديدة نوعا ما حين نجد نوع من إعطاء التبريرات للخديوي في إستدعائه للإنجليز لمواجهة الحركة العرابية المارقة.
ويستمر بنا الذهول حين نقرأ النقد اللازع لكافة رجال الحركة الوطنية في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أمثال سعد زغلول، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وقاسم امين، ورفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده واستاذه الأفغاني ، هؤلاء الذين يُنظر إليهم علي أنهم قادة الامة ورواد التنوير والذين تقاسمو الألقاب فيما بينهم من زعيم الأمة إلي استاذ الجيل إلي عميد الأدب إلي محرر المرأة إلي مجدد العصر..إلخ ، في حين ينظر إليهم الإسلاميين بإعتبارهم أذناب الغرب الكافر في بلاد الإسلام.
نجد كذلك أن القراءة السلفية والإخوانية للتاريخ الحديث فيها تمجيد للدولة العثمانية (دولة الخلافة) فتجعل من كل من قاوم هذه الدولة بإسم الوطنية او القومية العربية أو التحرر والليبرالية تجعل منهم جميعا عملاء للإستعمار واعداء للإسلام ،
وكذلك الحال بالنسبة للفتوحات الاسلامية في أوربا ووسط وشرق آسيا ، فتجد الحديث عنها بين الطرفين من النقيض إلي النقيض فهناك دائما إهمال متعمد للفتوحات الاسلامية في البلدان الغير عربية من قَِبل الروايات التاريخية الرسمية والتي تدرس للطلاب ويري الإسلاميين ذلك باعتباره من آثار الدعوة القومية والشعوبية التي عزلت الأمة العربية عن باقي العالم الاسلامي ثم عزلت الأقطار العربية عن بعضها البعض،
بل تعدي الأمر الي أن تجد أن هناك تجاهل تام لبعض ساطري التاريخ في الروايات الرسمية والذين كان لهم دور كبير في عصرهم لمجرد تبني هؤلاء رؤية إسلامية صرفة تتعارض مع الرؤي القومية والوطنية الحالية وابن تيمية خير مثال علي ذلك ، في الوقت الذي تنحي فيه الرؤية التاريخية الاسلامية منحي مضاد تماما لتجعل من ابن تيمية شيخ الاسلام ومجدد الدين وباعث روح الجهاد في عصره وتبرز دوره في حروب التتار بشكل يجعل من الصعب ان يضاهيه فيه أحد.
المشكلة الآن أنه في الفترات السابقة كانت الرواية الرسمية هي الحاضر الوحيد في قراءة التاريخ وكانت الروايات الأخري مهمشة ومقصاة تماما أما في الوقت الراهن فإن حضور القراءات الإسلامية للتاريخ وأحداثه أصبح أمرا واقعا لا يمكن إهماله وأصبح لتلك الرؤية جمهور كبير وشريحة مهمة مؤثرة داخل المجتمع وقد أصاب ذلك التناقض البعض بالحيرة فأي رواية نصدق!
المشكلة الآن أنه في الفترات السابقة كانت الرواية الرسمية هي الحاضر الوحيد في قراءة التاريخ وكانت الروايات الأخري مهمشة ومقصاة تماما أما في الوقت الراهن فإن حضور القراءات الإسلامية للتاريخ وأحداثه أصبح أمرا واقعا لا يمكن إهماله وأصبح لتلك الرؤية جمهور كبير وشريحة مهمة مؤثرة داخل المجتمع وقد أصاب ذلك التناقض البعض بالحيرة فأي رواية نصدق!
ربما كان التمزق والإنقسام الكائن بين أبناء شعبنا وأمتنا اليوم معزاه الي الإنقسام حول الرؤيتين ، فالجملة التي تقول" أمة بلا تاريخ أمة بلا حاضر ولا مستقبل" تصبح واقعا اذا كانت كل لحظة في تاريخنا وكل شخصية تاريخية أمرا من الأمور المختلف عليها ليس بيننا وبين الغرب بل بيننا وبين انفسنا !!

