الثلاثاء، ٢ أبريل ٢٠١٣

أباطيل وأسمار الثورة الإسلامية

 
هل صح قولا من الحاكي فنقبله   أم كل ذاك أباطيل وأسمار
أما العقول فآلت أنه كذبٌ  والعقل   ذا غرس له بالصدق إثمار
 
نعيش هذه الأيام حملة شعواء علي الرئيس مرسي بدأت تستعر بمجرد الإعلان عن عقد إتفاقات للتعاون بين مصر وإيران والتمهيد لعودة العلاقات بين البلدين ، والمؤسف أن تأتي هذه الحملات من أهل الإيمان من أبناء التيار الإسلامي السلفي الذين لا نشك في صدقهم وغيرتهم علي الدين
 
والمدهش في تلك الحملة أنها جمعت طرفي النقيض في بوتقة واحدة من سلفيين وليبراليين ولكل منطلقاته فهؤلاء ينقمون علي إيران مسألة نشر التشيع والأخرون ينقمون عليها مروقها عن النظام العالمي وعدم الحاجة لإستعداء الغرب بالتعاون مع هذه الدولة المارقة ، ناهيك عن بعض العلمانيين المتطرفين الذين لبسوا فجأة ثوب الإسلام وأصبحوا يتحدثون عن عقيدة أهل السنة والجماعة المهددة من قبل إيران
 
إبتداءا لا يعنيني موقف الليبرالين والعلمانيين ولكن الذي يعنيني كثيرا هو موقف الإخوة الملتزمين علي المنهج السلفي وهو ما دفعني لكتابة هذه المقالة لإستجلاء بعض الحقائق
  
لا ريب أن الشيعة لديهم إنحرافات شديدة في العقيدة وأفعال وأقوال شركية تنقض وتجافي أصل التوحيد
وهم عند جل أهل العلم من الفرق الضالة المارقة التي ابتعدت عن الدين الصحيح وأدخلت علي الدين الحنيف ما ليس فيه من غلو في الأئمة ورفعهم فوق الأنبياء وتكفير خيار الأمة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم

ولكن .. لنترك أمر معتقدات الشيعة قليلا ونتحدث عن إيران كبلد مسلم
أعلم أن هذه الجملة الأخيرة "الحديث عن إيران كبلد مسلم" لن تروق للبعض بل وستثير جنون أخرين بعدما تم شحنهم بقليل من الحقائق وكثير من الأباطيل حول تلك الدولة ، لذا سوف أذكر هنا مثالا لتقريب الصورة
فالعراق بلد مسلم به أغلبية شيعية وكذلك بلدان أخري مثل أذربيجان والبحرين ونحن نتحدث عن تلك الدول بإعتبارها بلدانا مسلمة دون إلتفات للتركيبة الطائفية بداخلها ولم نسمع أن أحدا علي سبيل المثال قد أخرج العراق من الدول المسلمة لكون أكثريتها من الشيعة ، لذا ومن هذا المنطلق سوف أتحدث عن إيران كبلد مسلم ذو أكثرية شيعية وأقلية سنية
 
وأبدأ حديثي بذكر حقيقة تاريخية تغيب عن الكثيرين وهي أن إيران كانت أول أرض إسلامية تتحرر تماما من الهيمنة الغربية في العصر الحديث في واحدة من أعظم الثورات الشعبية في التاريخ عام 1979 وفي ذروة الصحوة الإسلامية التي كانت مشتعلة وقتها في كافة أنحاء العالم الإسلامي ، لذا لم يكن غريبا أن نجدها أكثر الأماكن التي نالتها سهام الأعداء والعملاء معا خاصة بعد أن تولى الإسلاميون الحكم هناك وأعلنوا قيام الجمهورية الإسلامية بعد سقوط نظام الشاه الذي كان يمثل أكبر عميل للغرب في المنطقة
هذه الحقيقة التي لم نعيها جيدا إلا من خلال معايشتنا لواقع الثورات العربية الحالي وما يحيط بها من مؤامرات وما رافقها من تشويه متعمد للحركات الإسلامية التي أصبحت في صدارة المشهد بعد تلك الثورات وهذا يدفعنا لإعادة البحث في تاريخ الثورة الإسلامية في إيران وكيف أنها إنحرفت هذا الإنحراف الطائفي وإماطة اللثام عما غيبته عنا الألة الإعلامية الغربية الجبارة
 
نستطيع أن نقرأ عن العلاقات العربية مع إيران الشيعية والتي كانت طبيعية وممتازة قبل الثورة في ظل حكم أسرة الشاه العميلة ونستطيع أن نقرأ أيضا كيف إنقلب المشهد بعدها للعداء الصريح بعد تولي الثوار مقاليد الحكم لنضع تصورا متكاملا عن صناعة عدو وهمي سوقه لنا إعلام الضلال وللأسف تم فيه استغلال علماء الأمة الربانيين الذين خدعتهم أنظمة الحكم العميلة وأجهزتها الأمنية 

ولنا أن نري بأعيننا وعلي نفس المنوال كيف يتم تشويه صورة الحركات الإسلامية السنية داخل المجتمعات المسلمة ومنها جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة طالبان في أفغانستان وحركة حماس في فلسطين بمجرد وصولها للحكم وعزلها عن محيطها الخارجي وعلي نفس الألسنة التي روجت لفكرة الخطر الإيراني والتي تعامت عن أعداء الأمة الحقيقيين ، وقد ظهرت فئة من المشايخ لا تتحدث إلا عما فعلته إيران "المجوسية" في العراق بعد الغزو الصليبي في الوقت الذي لا تبالي فيه بما فعله العدو الصائل الأمريكي نفسه ، ثم تجدهم يلمزون ويتهمون حركة المقاومة الإسلامية حماس لتعاونها مع حزب الله "الرافضي" في مقاومة الإحتلال الصهيوني وكانوا من قبل قد شرعنوا وأجازوا استدعاء أمريكا وحلفها الصليبي لتحرير الكويت ، ثم تراهم ينددون بمحاولة إيران "الفارسية" ابتلاع الخليج في الوقت الذي يرحبون فيه ببناء قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية في حياض أرض التوحيد ليرتع فيها علوج الروم 

وفي كل محاولة للتحرر من نير الغرب يتم استخدام الإعلام والعملاء ومشايخ الضلال والفتنة لوأد حركة التحرر من خلال فتاوي التبديع والتكفير ليعزلوا من خلالها الحركات الإسلامية عن حاضنتها الطبيعية المتمثلة في الشعوب المسلمة أو علي أقل تقدير خلق حالة من الجدل وإثارة الشبهات حولها وحول مخاطرها علي المجتمعات المسلمة لينفض الناس عنها
وفي الحقيقة لا تكون هذه المخاطر تواجه الشعوب المسلمة بقدر ما تواجه المشروع الغربي وطواغيته وعملاؤه في المشرق الإسلامي
 
وسيبادر الإخوة بطرح عدة تساؤلات منها دور إيران في العراق بعد الغزو الأمريكي وكذلك الدعم الكبير الذي قدمته ولا تزال تقدمه لصالح بشار الأسد وما قيل عن مشاركة الحرس الثوري الإيراني في إجهاض الثورة السورية الباسلة
وللرد علي تلك التساؤلات المشروعة والمحقة يجوز لنا أيضا أن نتسائل عن الدور الجزائري في الثورة الليبية وكذلك الدور السعودي في الثورة اليمنية وموقف الدول الناصرية والبعثية بشكل عام من الثورات العربية لنعرف أن الدافع وراء أي تدخل هو المصالح والتحالفات تارة والإتفاق الأيديولوجي تارة أخري .. فمن مصلحة إيران الشيعية استمرار النظام العلوي في سوريا باعتباره الحليف الوحيد لها في المنطقة العربية وكذلك كان من مصلحة النظام الجزائري استمرار النظام البعثي في سوريا ونظام القذافي في ليبيا واللذان يسيران معه كذلك في نفس الخط الأيديولوجي القومي
 
لنا أن نتسائل كذلك عن دعم السعودية لليمن الجنوبي الذي كان يحكمه الشيوعيون الملاحدة ضد اليمن الشمالي الساعي لتوحيد اليمن ولنسأل عن الأرواح التي أزهقت والدماء التي أهرقت والديار التي خربت جراء ذلك
 
ولنسأل كذلك عن الدور المصري والسعودي في الثورة اليمنية الأولي وأنهار الدماء التي تدفقت في اليمن نتيجة صراع بين بلدين سنيين كبيرين لم يكن لـ "الرافضة" فيه حضور
 
أيضا يحق لنا أن نتسائل عن الدعم الإماراتي والخليجي المعلن وغير المعلن للحملة الصليبية علي المجاهدين الموحدين في مالي والدماء الزكية التي تسيل هناك بأموال عربية سنية ، ولنا أن نسأل ما الفارق الجوهري بين دور الإمارات أو الجزائر في مالي ودور إيران في سوريا؟؟
 
ولنعد إلي الثورة الإيرانية لنرى الموقف العربي والخليجي من إيران وثورتها على حقيقته حيث أعلن العرب الحرب علي إيران في العام التالي مباشرة للثورة الإسلامية بعد أن بات مؤكدا للغرب أن الثورة في إيران قد نجحت فأطلقوا عليها الجيش العراقي مدعوما بأموال الخليج وأحدث الأسلحة الأمريكية في حرب استمرت ثماني سنوات كان الهدف منها خلق عدو جديد للعرب بديلا لإسرائيل بالإضافة لمنع استتباب الأمور للثوار الإيرانيين ومنع إيران من النهوض وشيطنتها وعزلها عن محيطها العربي والإسلامي لوقف مد جسور الثورة في بلدان العمق العربي وهو ما  عرف إعلاميا بـ "تصدير الثورة" وهي بالمناسبة نفس التهمة التي توجه إلي مصر حاليا وتجعل الخليج يغدق الأموال علي عملاء الداخل المصري لإفشال الثورة المصرية مهما كلفه الأمر!!
بل إن قطع العلاقات بين مصر وإيران الذي يعده البعض حاليا من حسنات "مبارك" لم يكن له أي صلة لا بالشيعة ولا بالتشيع ولا حتى بمبارك وهل يتصور عاقل أن يكون مبارك حاميا لحمى أهل السنة والجماعة مدافعا عن عقيدتهم ضد إنحرافات الشيعة !! وبالمناسبة هناك علاقات رسمية بين إيران وكل دول الخليج بلا إستثناء !!
 
لو جمعنا كل ما سبق ونظرنا للصورة مكتملة سنجد أن الموقف الإيراني من نظام الأسد منطقيا وطبيعيا للغاية وسط تلك الظروف الكفيلة بأن تبذل إيران الغالي والنفيس في سبيل إنقاذ الحليف الوحيد لها في محيطها الإقليمي
 
تنخلع قلوبنا علي إخواننا في أرض الشام المباركة وما تفعله عصابات الأسد المجرمة هناك وندين بأشد أساليب الإدانة أي دعم إيراني للنظام الأسدي ولكن في الوقت نفسه لا يجب أن نختزل كل ما يحدث في سوريا إلي كلمة واحدة هي إيران أوالشيعة وإلا فالقذافي فعل ما فعله بشار ولم تكن إيران حاضرة في ليبيا ، فلا يجب أن نتعامي عن باقي الأحداث التي تحدث حولنا وفي داخل ديارنا لنختزلها بهذا الشكل المعيب

صراعنا مع الغرب وعملائه لا مع مجموعة من الفرق الضالة من شيعة وعلوية سوف تذوب كما يذوب الملح بمجرد أن تتحرر الأمة من قيودها
 
وللحديث بقية إن شاء الله 

السبت، ٢٧ أكتوبر ٢٠١٢

من "أبوللو11" إلي "فيليكس" ... كيف يصنع الغرب أبطاله

ثلاث وأربعون عاما مضت علي رحلة "أبوللو11" إلي القمر ،
Fly me to the moon,
 let me play among the stars
Let me see what spring is like On Jupiter and Mars...
كانت تلك بعض كلمات أغنية "فرانك سيناترا" المطرب الأشهر في أمريكا في عقد الستينات حيث كان يغني والعالم كله من أقصاه إلي أدناه يستمع إليه في نشوة ويشاهد ما يحدث أمامه علي الشاشات في ذهول ، فلقد نجح الإعلام الغربي أن يجمع البشرية جمعاء أمام شاشات التلفاز لتتابع هبوط الإنسان "الأميركي" علي سطح القمر في الوقت الذي كان فيه أكثر من ثلثي سكان العالم لا يزالون يتخبطون في الجهل والفقر والأمية .
ومن سلسلة أفلام "جيمس بوند" رجل المخابرات البريطاني المعجزة إلي "رامبو" و"سوبر مان" لتتوالي أفلام هوليود في تمجيد الإنسان الغربي "الهيرو" الذي يدافع عن الضعفاء ويحارب الظلام وينقذ البشرية من الكائنات الفضائية التي تغير علي كوكب الأرض!! لنري بعدها ظهور الأجيال المتأمركة في بلادنا والتي تأكل الماكدونالدز وتلبس الجينز وتسمع البوب والروك والميتال ميوزيك وتعيش الحلم الأمريكي .
تكرر المشهد الهوليودي بحبكته الدرامية عند سقوط حائط برلين الذي صورته الألة الإعلامية الغربية علي أنه الخلاص للشعب الألماني لتبدء من بعده قطع الدومينو التالية للمعسكر الشرقي في السقوط دون كلفة مادية أو عسكرية !
فعلها الغرب مرة أخري عام 1990 تمهيدا لحرب الخليج ، حيث قام الإعلام الغربي بتصوير "صدام حسين" علي أنه الديكتاتور الطاغية الذي احتل الكويت ويهدد جيرانه العرب (الطيبين) ويهدد الإنسانية ويمتلك أسلحة الدمار الشامل القادرة علي تدمير الكرة الأرضية ست مرات! ليتم حشد العالم مرة أخري لقمع ذلك المارق القابع في بغداد ، وليمدد الغرب أقدامه بعدها في أرض الأنبياء والبترول !!
وفي بداية الألفية الجديدة يفعلها الغرب مجددا ويجمع العالم أمام الشاشات ليتابع المشهد الهوليودي التاريخي لسقوط برجي مبني التجارة العالمي في نيويورك علي أيدي مجموعة من الشباب المسلم وتصاعد الدخان فوق تمثال الحرية ، وبالرغم من أن الناس اختلفوا وانقسموا بين السعادة أوالحزن أوالخوف جراء ما حدث إلا أن الألة الإعلامية الغربية جعلت لا أحد يندهش أو يستنكر أن يدق الغرب طبول الحرب لغزو العراق وأفغانستان بل أصبح من حق الغرب أن "يحمي نفسه" ويقوم بالإغارة علي أي مكان في العالم ويقتل من يشاء وقتما شاء تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الإسلامي!!
المدهش بحق أن ذكري سقوط البرجين تتجدد كل عام وتسكب الألة الإعلامية الغربية العبرات علي ضحاياهم "الأبرياء" أما ضحايانا نحن "غير الأبرياء" من مئات الألاف من المسلمين في العراق وأفغانستان ما بين قتيل وجريح وسجين فلا يذكرهم أحد ولا بواكي لهم !!

ثم ها هي الألة الإعلامية الجبارة للغرب تتحرك من جديد لتحشد البشرية أمام الشاشات لمشاهدة المغامر الغربي الشجاع "رامبو الجديد" الذي سيحطم قوانين الطبيعة ويخترق نواميس الكون ويقفز من حدود الغلاف الجوي للأرض وتنسج الحكايات حوله وتطلق الشائعات والأكاذيب التي تهول من الأمر وتجعل منه حدثا تاريخيا فريدا ، ولنحلل هنا ما فعله ذلك المغامر النمساوي الهمام "فيليكس":
قام الرجل بعد تجهيزه وتأمينه بكافة أجهزة السلامة وإعداده بدنيا ونفسيا بالقفز من منطاد معلق في طبقة ستراتوسفير علي ارتفاع 127 ألف قدم أي ما يعادل حوالي 40 ألف متر وهو الإرتفاع الذي غالبا ما تحلق فيه الطائرات وبالطبع ليس هو حد الغلاف الجوي (كما يتصور البعض) فالغلاف الجوي اكثر سمكا بكثير ( أكثر من 300 ألف متر) ولكن السترة الواقية التي لبسها فيليكس لا يمكنها تحمل إرتفاع أكبر من ذلك ، فكلما ابتعد فيليكس عن الأرض سيحتاج سترة أكثر سمكا وأكثر قدرة علي تحمل الضغط المنخفض والبرودة الشديدة فضلا عن الأشعة الضارة ، أما عن تجاوز سرعة الصوت وأنه استطاع إثبات خطأ قانون نيوتن في الهيدروديناميكا فإن هذا القانون قد ثبت خطؤه منذ بدايات القرن العشرين !! وكثير من الطائرات حاليا تتجاوز في سرعتها سرعة الصوت بسهولة ، أما قانون السرعة الحدية للسقوط الحر والذي ينفي وصول الأجسام التي تسقط سقوطا حرا إلي سرعة الصوت ويثبت وجود سرعة حدية لا يمكن تجاوزها حال السقوط الحر فهذا خاص بالأجسام التي تسقط من ارتفاع قريب من سطح الأرض حيث الضغط الجوي ومقاومة الهواء كبيرة نسبيا أما الأجسام التي تسقط من ارتفاعات شاهقة (ضغط مخفض جدا ومقاومة هواء ضعيفة جدا ) كما هو الحال في قفزة مغامرنا فلا ينطبق عليها هذا القانون وهذه كلها حقائق علمية معروفة من قبل ميلاد فيليكس !!!
الحقيقة الوحيدة هنا أن الغرب اعتاد توظيف أي حادث مهما كان بسيط أو ربما اختلاق أحداث من العدم وحبكها دراميا علي طريقة "أفلام الأكشن" وحشد العالم لمتابعتها لخلق رأي عام عالمي أو لتغيير تركيبة ثقافية لأمة من الأمم أو لعمل حشد عسكري أو لإثبات ثقله الحضاري وتفوقه العلمي والتقني علي باقي شعوب العالم ، ولايزال الإعلام الغربي متفوقا بجدارة ولا يكاد ينافسه أحد في الترويج لنفسه إلا أذنابه في مجتمعاتنا العربية الإسلامية !!!  
وكما كان الإعلام الغربي صاحب الدور الأكبر في إنتصار الغرب ممثلا في الولايات المتحدة علي الإتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ، ها هو يمارس دوره بإمتياز في تأليه الغرب وبث روح اليأس والإنهزامية لدي تلك الشعوب الثائرة التي هبت لإيقاظ أمتها بعد ثبات طويل .

الخميس، ١٧ مايو ٢٠١٢

دماء وذكريات

حين قرأت نبأ مقتل الشاب الإخواني الذي كان يعلق دعاية للدكتور محمد مرسي في قرية ميت الكرما بطلخا- الدقهلية - لاح في خاطرتي شريطا من الذكريات لأحداث مضت وتوارت وكاد ان يلفها النسيان وسط هذه الأجواء السياسية الملتهبة وتلك الفتن المتعاقبة التي تجعل من الحليم حيران ، فقد تتابعت في ذهني مشاهد أليمة من جنازة الأخ الشهيد بإذن الله طارق الغنام الذي قتل في طلخا أيضا في مثل هذا الشهر (مايو) من عام 2005 أثناء إحتجاجات الإخوان علي تعديل المادة 76 من الدستور تمهيدا لتوريث الحكم. 
تذكرت أعدادا لا تحصي من عربات الأمن المركزي علي جانبي الطريق وعشرات الألاف من المجندين الغلابة ممن دفعهم قدرهم لأن يكونوا جندا لفرعون ، وعلي الرغم من الظلام والليل والسكون المطبق بعد أن أجبر الأمن أسرة الفقيد علي دفنه ليلا إلا أن زبانية مبارك لم يكتفوا بذلك فقاموا بإغلاق كافة الطرق المؤدية إلي المقابر إلا طريقا واحدا ضيقا مظلما ومن يجرؤ علي التفكير في حضور تشييع الجنازة يتحتم عليه أن تفتشه أعين الضباط والمخبرين لإرهابه بأن كل خطوة يخطوها مرصودة ومسجلة عليه من قبل زبانية أمن الدولة.
ارتجلت ماشيا وسط تلك الأجواء وحين مضيت في الطريق الطويل الممتد إلي المقابر وبعد قليل وجدت شابا لا أعرفه يسير وحده علي مقربة مني وكأني به يضرم الأرض نارا بخطواته الغاضبة نحو المقابر غير مكترث بكل تلك الحشود من الجنود المدججين بالسلاح من حوله ، اقترب مني وسلم علي وحاورني ووجدته يعرفني ويعرف بعض أصدقائي ولكني لم أعرفه ولم أسأله عن اسمه حتي وصلنا إلي المقابر ليذوب فجأة وسط إخوانه ولا أري له أثرا بعدها وكأنه ملاكا أرسله الله ليثبتني ويؤنس وحشة ذلك الطريق.
حين وصلت وجدت الألاف من الإخوان المكلومين بمصابهم خيهم أأأااىتىىبييعج بهم المكان ، يقتلهم الألم ويعتصرهم الحزن علي أخيهم بعد أن كابدوا مشقة ذلك الطريق المروع وسط الظلام الدامس الذي أحاط بجنبات المكان بعد أن قطعت الكهرباء عن المنطقة بأسرها ، وهالني حشدهم الكبير الذي لم أكن أتوقعه وسط كل تلك الأجواء ، فتوقعت حينها أن تتزلزل الأرض بهتافاتهم ولكن العكس تماما هو ما حدث فكانوا رابطي الجأش بشكل عجيب، يخيم عليهم الصمت والسكون في خشوع وكانت الحماسة تأخذ بعض المجموعات من الشباب الصغير بين الحين والحين فيبدءون في الهتاف وكلما فعلوا ذلك بادرهم صوت الشيخ عبد الرحمن البر يأمرهم بنبرة ملؤها الرفق والحزم معا بأن يراعوا حرمة المقابر وألا يرددوا أية هتافات ويذكرهم بالدعاء لأخيهم الشهيد فيعودون للهدوء مرة أخري برباطة جأش منقطعة النظير ، لا أعرف أنيّ لهم بها.
في ذلك الوقت لم أسمع من الإخوان كلمات علي شاكلة أن القوي السياسية الأخري باعت الإخوان ولم تؤازرهم في مطالبهم بالإصلاح السياسي ، ولم يتهموا أحدا بخيانتهم حين كان زبانية أمن الدولة يتخطفونهم من مساكنهم ويصادرون أموالهم ويحاكمونهم محاكمات عسكرية ولا يحرك أحدا ساكنا ، ولم يصب الإخوان جام غضبهم علي الشعب البسيط الذي صدق الرواية الرسمية الكاذبة وقتها بأن الأخ طارق الغنام مات نتيجة الزحام والتدافع !! ولم يكن أحدا من الإعلاميين الأشاوس المتباكين علي شهداء الثورة الأن حاضرا وقتها ليبكي رجلا قتل بيد الأمن اثناء تنديده بالتوريث وترك ورائه أرملة وثلاثة أبناء أحدهم عمره ثلاثة شهور ، فقط الإخوان المسلمين وحدهم ليس لهم بواكي .

الأربعاء، ٢١ مارس ٢٠١٢

بين التكفير والتغريب والنخبة


تابعت وتابع كثير من الناس ذلك الجدل الذي أعقب إحتفالات نصاري مصر بميلاد المسيح-عليه السلام- بعد الثورة والذي تفاقمت حدته وزادت هزليته بعد موت "نظير جيد" الملقب بـ "شنودة الثالث" والجدل تعلق بداية بمدي جواز تهنئتهم بعيدهم أو عزائهم في مصابهم بموت سيدهم وانقسم الناس لفريقين بين مؤيد ومعارض ليتعدي الأمر بين الفريقين لاحقا إلي جدلية "تكفير النصاري" ورؤية الحركة الإسلامية للأقلية النصرانية وهل يجوز أن نسميهم كفارا أم لا ؟!!  والقضية رغم كونها محسومة ومعروف حكمها للغالبية العظمي من المسلمين إلا أنها تحتاج منا لبعض التأملات؛
عندما نقرأ في مسألة الإيمان والكفر تجد كثير من المسلمين وخاصة شعوب تلك الدول التي خالطت الإحتلال الغربي لفترات طويلة ، مثل مصر ودول المغرب العربي تجدهم يستثقلون كلمة الكفر ولا يفضلون إستخدامها حتي وإن استخدمت في المواضع التي اجمع عليها علماء الإسلام والسبب في ذلك أراه يتمثل في عاملين أساسيين: أولهما هو سوء الفهم لدي العوام لمعني كلمة "كفر" ، والعامل الثاني والأهم هو التغريب والتمييع الذي مارسه الإحتلال الغربي لهذه الشعوب لفترات طويلة والذي مازالت أصداؤه مستمرة حتي يومنا هذا ، فاقتصر استخدام هذه الكلمة فقط علي الملحدين المنكرين لوجود الله جل وعلا ، والسؤال هنا هل الكفر المذكور في القرآن الكريم يقتصر فقط علي الملحدين الذين ينكرون وجود الله؟
ونحاول أن نمسك الخيط من أوله ؛ فنجد أنه بإستثناء موجة الإلحاد التي اجتاحت العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عقب نظرية التطور لداروين لم تعرف البشرية في تاريخها جماعات إلحادية منظمة ، فكان كل ما في الأمر أفراد قلائل يظهرون بين الفينة والأخرى في هذا المكان أو ذاك ولكنه في الأعم الأغلب علي مر الأزمان ومن بداية الخلق لم يكن هناك مذاهب إلحادية واسعة الانتشار فلم يتفتق ذهن أحد الفلاسفة أو الحكماء في العصور القديمة والوسطي أن يتبني الإلحاد عبر كل هذه الأحقاب ، ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [لقمان: 25] ، فإيمان الربوبية المتمثل في الإعتقاد بوجود إله خالق ورازق ليس قاصرا علي المسلمين أو أصحاب الديانات السماوية دون غيرهم بل إن اصحاب الديانات الوثنية والوضعية لو سألتهم من ربكم سيقولون الله!! لذا فإن مسألة الإيمان بوجود خالق رازق ليست هي المحك في قضية التكفير وهذا هو عامل الإلتباس الأول عند كثير من العوام .
أما عامل الإلتباس الأخر والمتمثل في سوء الفهم لكلمة "كفر" تلك الكلمة شديدة الوقع علي الكثير من الناس ، وقد بحثت في المعني اللغوي لكلمة "كفر" فوجدت أن الكفر في اللغة هو ستر النعمة وأصله -الكفرـ بفتح الكاف ـ أي: الستر. ومنه قيل للزارع: كافِرٌ ، قال تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] ، فالكفار في الأية الكريمة تعني الزراع وكذلك يأتي الكفر بمعني الليل وعليه قول الشاعر لبيد: "في ليلة كَفَرَ النجومَ غمامُها". ومنه: المتكفِّر بسلاحه ، وهو الشاكي الذي غطى السلاحُ بدنه.
أما في الشرع الحنيف فإن الكفر هو"إنكار ما عُلِم بالضرورة مما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم" ، وله أنواع أربع:
     -  كفر إنكار: بأن لا يعرف الله أصلاً ولا يقر به ، ككفر الملحدين.
     -  كفر نفاق: بأن يقر لسانا وينكر قلبا ، ككفر منافقي المدينة في العهد النبوي.
     -  كفر جحود: بأن يعرفه قلبًا وينكره لسانًا وعملا ، ككفر إبليس.
     -  كفر عناد: بأن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه موقنا بما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم ولكن لا يدين به ، ككفر أبي طالب عم النبي صلي الله عليه وسلم فقد كان يعتقد بنبوة محمد صلي الله عليه وسلم بل وصرح بنبوته ولكن خشي أن تعيره العرب بترك دين أبيه.
     وجميع الأنواع السابق ذكرها تقضي بالخلود الدائم في النار ، ومدارها على أنه (إنكار) ولو انكار بالعمل أو الفعل ، أي جَحْدِ ما عُلمَ وعُرِفَ بالضرورة البيِّنة بأن اشتهر حتى عرفه الخواصُّ والعوام ، كالصلاة وشرب الخمر؛ ولا يندرج تحته ما يخفى أو ما عرفه الخواص فقط ، كإستحقاق بنت الإبن السدس في الميراث علي سبيل المثال .
     ونعود لقضيتنا الأولي وهي تكفير النصاري والتي ملأت الدنيا ضجيجا في الآونة الأخيرة ونقول إن القضية المثارة من قبل النخبة الليبرالية واليسارية المستحوذة علي معظم وسائل الإعلام ليست إلا تعبيرا عن مدي النجاح الذي وصل إليه مشروع التغريب منذ عهد "محمد علي" لخلق تلك الكتلة الحرجة من نخبة مشبعة بقيم حضارية غربية تختلف في جوهرها عن قيم حضارتنا العربية الإسلامية ، هذه النخبة المتماهية مع الغرب شكلا ومضمونا والتي تم صنعها علي أعين الإحتلال وأذنابه الذين خلفهم بعد رحيله في ظروف الإنحطاط الحضاري لأمتنا والتي تحذوا حذو الغرب شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وعلي الرغم من أن فيهم عملاء صريحين ومتبجحين بعمالتهم لدول الغرب أحيانا ومستترين أحيانا أخري ؛ إلا أن هناك الكثير من هؤلاء الذين تربوا في كنف الغرب وتم صبغهم تماما بالصبغة الغربية علميا وثقافيا ولكنهم مهمومين بقضايا الوطن ويسعون جاهدين لنهضته ويحملون نوايا صادقة وفيهم بقية من خير ولديهم القابلية للرجوع إلي الحق وبخاصة الشباب منهم ، وهنا يأتي دور الحركة الإسلامية في إحتواء هؤلاء بدلا من عزلهم واهدار الأوقات والجهود في معاداتهم فنحن الآن بحاجة لإستثمار طاقات جميع المخلصين وتوجيههم الوجهة الصحيحة للمساهمة في بناء دولتنا المنشودة.



الجمعة، ١١ فبراير ٢٠١١

سطور النصر


لا أعرف لماذا تلح علي الآن هذه الاية الكريمة " لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"  فلا أريد أن أتمادي في الفرحة ولو أن الفرحة تغمر مصر وشعبها في هذه اللحظات التي أعلن فيها إنتصار الثورة المباركة وتنحية الخائن حسني مبارك عن حكم مصر
عظيم هذا الإحساس بالحرية ، ما أعظمها حقا هذه الحرية ، ما أعظم هذا اليوم وما أعظم هذا الشعب الواعي الذي كثيرا ما إنتقدناه ووصفناه بالخنوع والخضوع ليفاجئني شخصيا أنه أعظم شعوب الدنيا وليخطف الأضواء من كل الشعوب الثائرة علي مر الزمان والتي كنا نغبطها ونحسدها علي ثوراتها ولكنه الخبث الذي يطفو علي السطح في عصور الإنحطاط والخزي والتبعية للأعداء فيذهب عنها لمعان المعدن النفيس الذي يتشكل منه شعبنا المصري العظيم

وسبحان الله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء الذي جعل يوم خروج المجرم ليعلن حرية مصر هو نفس اليوم الذي تحتفل فيه إيران بثورتها التي كثيرا ما ألهمتنا وحلمنا بها في ووطننا الغالي ويا عجبا من يوم تتضائل فيه الثورة الايرانية بجانب الثورة المصرية التي ستهيمن علي عقول وأفئدة الشعوب التي تتوق للحرية لقرون قادمة
كثيرا ما قيل كذبا حول ملحمات يصنعها الشعب ولكن هذه الملحمة التي صنعها زمرة التحرير لم تصنع في التاريخ الإنساني كله
في كل خطوة كان يقدم عليها هؤلاء الفتية كان الهجوم يواتيهم من كل حدب وصوب من عملاء للنظام تارة ومن بلهاء عديمي الوعي تارة اخري ومن العاطفيين الذين يتبعون هواهم والذين ينطبق عليهم قول الحق "استخف قومه فأطاعوه"

عندما ثار هؤلاء الأبطال نعتوا بالفئة المندسة التي تحاول أن تخرب البلد وتقوض استقرارها ، وعندما نجحت الخطوة الأولي وشجعت الذين ترددوا في النزول في اليوم الأول للنزول في جمعة الغضب اليوم الثاني في الثورة لينزلوا بمئات الألاف لتتهاوي أمامهم الدولة البوليسية في عدة ساعات في مساء ذلك اليوم الخالد ، بدأت المعركة النفسية تدار علي الثوار الأحرار فبعد انهيار الأجهزة الأمنية قررت الدولة المريضة لعب ما يسمي سياسة الأرض المحروقة فصدر قرارا ما بإنسحاب جميع أجهزة الأمن ليتركوا البلد مستباحة أمام اللصوص والمجرمين بعد أن سمح لهم بالهروب من أقسام الشرطة وبعض السجون ، وهكذا روع  مبارك شعبه في مساء يوم حالك الظلمة كان اصعب الأيام التي عاشتها مصر ربما في تاريخها الحديث حيث بث الخوف والرعب والذعر والهلع في كل بيت مصري ، لتخرج بعدها دعوات لوقف الثورة وتجنيب البلاد كارثة الفوضي التي هددنا بها اللامبارك ، ونحتبس أنفاسنا خوفا علي مصير الثورة الحلم التي طالما إنتظرناه وينتابني الخوف علي وأد هذا الحلم في مهده ولكن الثوار لم يتركونا في هذه الحيرة كثيرا فقد قرروا المضي قدما فيما بدأوه بمزيد من التحدي والإصرار ويجتازوا هذه المحنة الشديدة التي عشناها وعاشها شعب مصر بأسره بأن تكونت لجان شعبية من الشباب تحمي المواطنين والمنشئات العامة والخاصة وتنظم المرور في الشوارع وتقوم بكل أعمال الشرطة وكأن شعب مصر يتحدي مبارك وملأه ولسان حاله يقول: نحن لسنا في حاجة لشرطتك

وبعد إجتياز هذه المحنة العظيمة قرر النظام أن يدخل في جولة جديدة مع الثوار فبدأ في تقديم عدة تنازلات يلقيها فتارة يغير الحكومة ويعين نائبا وتارة يقول أنه لن يترشح لا هو ولا أبنه وتارة أخري يستعطف الشعب بخطاب عاطفي ملؤه الكذب والخداع ولكن هيهات فالمارد قد خرج من محبسه ولن يرتضي بأنصاف حلول وتستمر التنازلات حتي يفوض مبارك سلطاته لنائبه عمر سليمان في الوقت الذي خرجت الجماهير تحتشد فيه لتستمع لخطاب التنحي فينفجر الغضب بين الحشود ويقرروا الذهاب لقصر العروبة ليخرج عمر سليمان في اليوم التالي معلنا تنحي مبارك وتسليم السلطة للقوات المسلحة

ما اصعب تلك الأيام الخالدة وما اجملها وأعظمها وما أصعب أن تمضيها في الغربة بعيدا عن الوطن والحمد لله الذي أتم النصر لهذه الثورة المباركة وجعلنا من هذا الجيل المنشود والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، ٣١ يناير ٢٠١١

اليوم الموعود

كثيرا ما توقعت وهيأت نفسي لأن أسرد تفاصيل هذه اليوم الموعود يوم يثور فيه المصريين علي عصابة المجرمين التي تحكمهم ولما جاء اليوم الموعود وجدت نفسي غارقا في مشاعري الخاصة جدا ولا أريد أن أتحدث إلا عن تلكم المشاعر

احاسيس متناقضة تنتابني وسط هذه الثورة المباركة ، أشعر بالإندهاش الشديد بأن يأتي اليوم الذي يسقط فيه نظام مبارك بهذه السرعة وهذه العفوية ، وكذلك أشعر بالنشوة بقرب سقوط هذا الطاغية ودولته الفاسدة الظالمة ولكني أتألم في الوقت ذاته للضحايا من القتلي والجرحي والأموال التي سرقت والحقوق التي ضيعت والأبنية التي هدمت واحترقت
في البدء أجد كثير من المغالطين يحاولون التمويه علي الناس بإدعاء أن هذه الإنتقاضة الشعبية الهائلة ليس لها قائد أو موجه إلا دعوات مجهولة علي الإنترنت في محاولة لإضفاء صفة الغوغائية عليها ، ولكن من باب الإنصاف يجب أن اسجل هنا أن الدعوة للانتفاضة جاءت من عدة مجموعات سياسية بإمتياز علي الفيس بوك اولها مجموعة شباب 6 أبريل ومجموعة كلنا خالد سعيد والمجموعات الخاصة بالجمعية الوطنية للتغيير ، ولا يجب أن نذهب بعيدا فكل هذه المجموعات خرجت من مشكاة واحدة غرست بذرتها حركة كفاية ( الحركة الوطنية من أجل التغيير ) ودعمتها وروجت لها حركة الإخوان المسلمون ، فالمشتركين في أي مجموعة من هذه المجموعات علي الفيس بوك غالبا هم أنفسهم المشتركون في باقي المجموعات ، ولذا فإن حركة كفاية والإخوان المسلمين هم الذين نادوا بهذه الإنتفاضة ودعموها وكانوا قادتها ووقودها بالإضافة إلي كثير من الشخصيات التي تفاعلت وقررت الإنحياز للثورة من فنانين وكتاب وأدباء وحتي علماء الأزهر وحتي بعض السلفيين وشارك بعض الأحزاب مثل الوفد والغد والوسط والكرامة والعمل وانضم لاحقا شباب حزب التجمع ، وشاركت لأول مرة في العمل السياسي حركة سلفية تدعي حركة حفص السلفية وكذلك العديد من النقابات والجمعيات



غريبة حقا هذه المشاعر التي انتابتني وأنا أشاهد علي شاشة التليفزيون أنباء اكتساح المتظاهرين للجحافل الأمن المركزي واختراقها ووصولها لميدان التحرير في القاهرة ، وكذلك انباء الملحمة التي قام بها أهل السويس تحت قيادة البطل الشيخ حافظ سلامة ، ثم توالت الأنباء الأتية من باقي المدن المصرية تزف إلينا انهيار دولة مبارك البوليسية باحتراق اقسام الشرطة ومقار أمن الدولة خاصة ، يا الله مقر أمن الدولة بالمنصورة يحترق وتغمرني الفرحة والسعادة والذهول  وأنا أتذكر أخي محمد العشري وهو يحكي لنا عن التعذيب الذي لاقاه علي أيدي هؤلاء المجرمين في هذا المقر  وأتسائل وأسأل من حولي هل الذي أراه حقيقة أم أنه خيال وأحلام يقظة ؟
هل أصبحنا أحرار هل انتهي التعذيب في مصر وسيخرج المعتقلون ؟ هل سيخرج محمد العشري وأمثاله ؟ هل سقطت الدولة البوليسية و انتهي عصر أمن الدولة ؟ 

ولكن يأبي المجرم الخائن أن يترك شعبه يتنفس حرية ولو ليوم واحد فيقوم بإرتكاب جريمته التي سيذكره التاريخ بها حين أمر بسحب جميع افراد الشرطة ليتركوا البلد بلا أمن في حادثة لم يفعلها شياطين الإنس ولا شياطين الجن علي مر التاريخ ، ليخرج البلطجية والمجرمين من المراكز واقسام الشرطة ومن بعض السجون بتنسيق مع رجال الشرطة ليهجموا علي المنازل والممتلكات العامة والخاصة و يعيثوا في الأرض فسادا لتحدث حالة من الذعر والخوف والهلع لأهلنا في شتي ربوع مصر ، فكما كانوا يفعلون في إنتخابات مجلس الشعب مع مرشحي الإخوان المسلمين فعلوه هذه المرة مع شعب مصر بأسره ، فعندما كنا نقول أن الشرطة تخرج البلطجية والمجرمين ليرهبوا بهم مناصري الإخوان ويمنعوهم من الإدلاء بأصواتهم كان البعض يتشكك والبعض لا يبالي والبعض يقول "يستاهلوا"  وها هو النذل المجرم يفعل فعلته مع الجميع لكي يعرف شعب مصر بأكمله ما قاساه الشباب المسلم الغيور الذي أراد إصلاح ما يفسده مبارك وزبانيته ، فعلها ليفقد الناس إحساسهم بالأمن وليجبر الشباب علي ترك المظاهرات والعودة لحماية زويهم وممتلكاتهم من المجرمين ، ولكن انقلب السحر علي الساحر وبفضل الله وتوفيقه ذهب الشباب بالفعل ليحموا بيوتهم واهلهم وأموالهم وشكلوا لجانا شعبية في ملحمة عظيمة شهدها العالم ثم عادوا للتظاهر مرة أخري ولكنهم هذه المرة يعودون وهم أكثر عزما وإصرارا علي إسقاط النظام بالكامل بكل رموزه ولله الحمد والمنة


هكذا يسطر شباب مصر الثائر بكل أطيافهم وتوجهاتهم وانتمائاتهم الفكرية والسياسية أعظم صفحة من صفحات تاريخ مصر الحديث التي كثيرا ما تشككنا في أنه قادر علي أن يكتبها ، اللهم ثبتهم علي الحق ومكن للصالحين منهم في الأرض








اللهم لك الحمد أن جعلتنا نري بأعيننا سقوط هذه الدولة الظالمة التي أفسدت في هذه البلدة الطيبة ، ونسألك اللهم أن تتم هذه الثورة بالخير لأهل مصر ولجميع الأمة الإسلامية ، اللهم تقبل الشهداء وداوي الجرحي وصبر الثكالي واهدنا إلي ما فيه الصلاح والفلاح ، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهي فيه عن المنكر ويحكم فيه بكتابك والحمد لله رب العالمين.

الخميس، ٢ ديسمبر ٢٠١٠

وقفة لابد منها


ما حدث في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة يجب أن يكون منطلقا لتغيير أبجديات التعامل مع النظام الحاكم سواءا علي مستوي الافراد أو الجماعات السياسية العاملة في مصر وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

لا ألوم الإخوان علي مشاركتهم في الانتخابات تحت مبرر فضح التزوير ولكن يجب أن يستفيق الجميع علي حقيقة مفادها أننا نتعامل مع مجموعة من القوادين الذين لا يهتمون كثيرا بمسألة فضح تزويرهم للإنتخابات من عدمه فالأمر اصبح مفتضح للقاصي والداني ولا يحتاج مزيدا من الجهود لتصوير مشاهد التزوير وتسويد اللجان  أو الخوض في معارك قيل أن هدفها فضح النظام وتعريته ، الأمر لا يستدعي كل ذلك بل أري أنه يجب أن توحد الجهود في سبيل العمل علي مواجهة النظام مواجهة شاملة لا رجعة فيها ولا تردد ولا انصاف حلول ، الحال في مصر الآن اشبه بحال إيران قبل الثورة الإسلامية وعندما أراد الإيرانيون التحرر من طواغيتهم اختاروا المواجهة الشاملة ونجحوا فيها ولا أري أن الأمر بعيد المنال في مصر ، النظام يتبجح في عدائه ويعتقل ويجري محاكمات عسكرية ويصادر اموال وممتلكات ويغلق قنوات فضائية ويهجر ويمنع الدعاة ويعلن حرب شاملة علي الحركة الاسلامية ونحن نجعل أقصي اهدافنا أن نحصل علي عدة مقاعد في مجلس الشعب ، ما هذا السفه!!

يشوهون رموز الحركة الاسلامية ويسخرون منهم ويصنعون الافلام والمسلسلات والبرامج الاعلامية التي تسئ إليهم وآخر ابداعاتهم في ذلك كان مسلسل الجماعة في رمضان الماضي ونحن نرد علي كل ذلك بأننا نريد أن نقوم بتعرية النظام داخليا وخارجيا وهو أصلا عريان ويبدي سوأته للجميع دون حياء.
تعرية النظام يا سادتنا ليس بهدف وليس بوسيلة لتحقيق هدف ولكن السبيل الوحيد في رأيي هو التضييق علي النظام ومزاحمته بل ومقاطعته تماما يجب عزل النظام الحاكم في مصر داخليا بنشر ثقافة المقاطعة للمراسم والإحتفالات الوطنية ، يجب تشويههم وليس فضحهم فعلي سبيل المثال يجب إعلان مقاطعة ممنهجة لكل رموز النظام من رجال أعمال وآخرهم الرعناء مؤمنة كامل التي سبت وشتمت القاضي الذي فضح تسويد اللجان لصالحها في الإنتخابات بكل تبجح ، أمثال هذه الرعناء يجب التضييق عليهم ومقاطعتهم حتي يصبح كل من يمت للحكم بصلة في مصر مدان ومنبوذ شعبيا.
الكلام عن العزلة الشعورية ليس خطأ محض ابتدعه سيد قطب ولكنه في جوهره لا يخرج عن مسألة الولاء والبراء وأري ان البراء ممن يتبجحون في طغيانهم وتزويرهم وخيانتهم والعمالة الفجة لأعداء الأمة أولي وأهم
يجب نشر ثقافة الولاء والبراء في ربوع مصر ، ويجب تسمية الأسماء بمسمياتها من الآن فصاعدا فالبراء من حكام مصر وبطانتهم وأتباعهم وأعوانهم هو الذي يجب ان نعلمه للأطفال والكبار علي حد سواء.
وفي سبيل ذلك أري وجوب دعوة الناس بوضوح لإعلان مقاطعة كليات الشرطة وهذا الامر ظهرت فيه فتاوي مهمة ومن علماء كبار لهم مكانة ومصداقية عند الناس ولكن يجب العمل علي إظهاره وتجليته للعامة وخلق نقاش وحالة من الجدل المجتمعي حوله ، يجب إعلان مقاطعة القنوات والبرامج التي تسئ إلي الحركة الاسلامية من قريب أو بعيد يجب خلق هذا الثقافة وترويجها ، كل ذلك في سبيلنا لتحقيق العصيان المدني الشامل.
يسوق العقلاء دائما فكرة أنه لا سبيل إلينا  لمواجهة النظام بكل قوته وجبروته وهذا صحيح إن كان المقصود بمواجهة النظام استخدام العنف ولكني أري ان السبل السلمية هي السبيل الصحيح والقابل للتحقق.
ما تقوم به حركة كفاية وشباب 6 أبريل وغيرها من الحركات الإحتجاجية أري أنه النواة التي يجب الإلتفاف حولها وتدعيمها وتوجيهها الوجهة الصحيحة بدلا من الخوف علي شباب الحركة الاسلامية من الإنصهار فيها وأري أن أنصاف الحلول مع النظام التي يلهث ورائها الإخوان وإن كان لابد منها فلا ينبغي أن تكون مع النظام ولتكن أنصاف الحلول مع باقي الجماعات الوطنية فيجب مد الجسور مع هذه المجموعات التي اختارت الأصعب وهو المواجهة الشاملة.
دعونا من الخلافات التاريخية بين ثورة يوليو وعبد الناصر والقوميين من جانب وبين الإخوان المسلمين والحركة الاسلامية من جانب آخر ، لسنا في حاجة لإحياء تلك الخلافات والتقاتل حولها ولنترك كليا الجدل الدائر عما ستكون عليه الدولة المنشودة ولنسمها دولة العدل ، لنترك المناظرات التي لا طائل منها بين الإسلاميين وبين العلمانيين قوميين أو يساريين فلكلٍ قبلة هو موليها ولن تتغير قناعات احد مهما طال الجدل.
وكذلك أري في النفور المتبادل بين التيار السلفي والإخواني العائق الأكبر أمام الحركة الاسلامية وأري في إزالته والعمل علي توحيد الصف الإسلامي وجمع كلمته هدفا وغاية في حد ذاته.
دعونا نخمد كل الصراعات الداخلية من أجل مشروع واحد يلتف حوله الجميع فليعمل الجميع علي إسقاط الطغاة أولا وبعدها يكون لكل مقام مقال ولكل حدث حديث ولتكن غايتنا الكبري هي تحرير مصر من الطغاة وإقامة دولة العدل.