تابعت وتابع كثير من الناس ذلك الجدل الذي أعقب إحتفالات نصاري مصر بميلاد المسيح-عليه السلام- بعد الثورة والذي تفاقمت حدته وزادت هزليته بعد موت "نظير جيد" الملقب بـ "شنودة الثالث" والجدل تعلق بداية بمدي جواز تهنئتهم بعيدهم أو عزائهم في مصابهم بموت سيدهم وانقسم الناس لفريقين بين مؤيد ومعارض ليتعدي الأمر بين الفريقين لاحقا إلي جدلية "تكفير النصاري" ورؤية الحركة الإسلامية للأقلية النصرانية وهل يجوز أن نسميهم كفارا أم لا ؟!! والقضية رغم كونها محسومة ومعروف حكمها للغالبية العظمي من المسلمين إلا أنها تحتاج منا لبعض التأملات؛
عندما نقرأ في مسألة الإيمان والكفر تجد كثير من المسلمين وخاصة شعوب تلك الدول التي خالطت الإحتلال الغربي لفترات طويلة ، مثل مصر ودول المغرب العربي تجدهم يستثقلون كلمة الكفر ولا يفضلون إستخدامها حتي وإن استخدمت في المواضع التي اجمع عليها علماء الإسلام والسبب في ذلك أراه يتمثل في عاملين أساسيين: أولهما هو سوء الفهم لدي العوام لمعني كلمة "كفر" ، والعامل الثاني والأهم هو التغريب والتمييع الذي مارسه الإحتلال الغربي لهذه الشعوب لفترات طويلة والذي مازالت أصداؤه مستمرة حتي يومنا هذا ، فاقتصر استخدام هذه الكلمة فقط علي الملحدين المنكرين لوجود الله جل وعلا ، والسؤال هنا هل الكفر المذكور في القرآن الكريم يقتصر فقط علي الملحدين الذين ينكرون وجود الله؟
ونحاول أن نمسك الخيط من أوله ؛ فنجد أنه بإستثناء موجة الإلحاد التي اجتاحت العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عقب نظرية التطور لداروين لم تعرف البشرية في تاريخها جماعات إلحادية منظمة ، فكان كل ما في الأمر أفراد قلائل يظهرون بين الفينة والأخرى في هذا المكان أو ذاك ولكنه في الأعم الأغلب علي مر الأزمان ومن بداية الخلق لم يكن هناك مذاهب إلحادية واسعة الانتشار فلم يتفتق ذهن أحد الفلاسفة أو الحكماء في العصور القديمة والوسطي أن يتبني الإلحاد عبر كل هذه الأحقاب ، ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [لقمان: 25] ، فإيمان الربوبية المتمثل في الإعتقاد بوجود إله خالق ورازق ليس قاصرا علي المسلمين أو أصحاب الديانات السماوية دون غيرهم بل إن اصحاب الديانات الوثنية والوضعية لو سألتهم من ربكم سيقولون الله!! لذا فإن مسألة الإيمان بوجود خالق رازق ليست هي المحك في قضية التكفير وهذا هو عامل الإلتباس الأول عند كثير من العوام .
أما عامل الإلتباس الأخر والمتمثل في سوء الفهم لكلمة "كفر" تلك الكلمة شديدة الوقع علي الكثير من الناس ، وقد بحثت في المعني اللغوي لكلمة "كفر" فوجدت أن الكفر في اللغة هو ستر النعمة وأصله -الكفرـ بفتح الكاف ـ أي: الستر. ومنه قيل للزارع: كافِرٌ ، قال تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] ، فالكفار في الأية الكريمة تعني الزراع وكذلك يأتي الكفر بمعني الليل وعليه قول الشاعر لبيد: "في ليلة كَفَرَ النجومَ غمامُها". ومنه: المتكفِّر بسلاحه ، وهو الشاكي الذي غطى السلاحُ بدنه.
أما في الشرع الحنيف فإن الكفر هو"إنكار ما عُلِم بالضرورة مما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم" ، وله أنواع أربع:
- كفر إنكار: بأن لا يعرف الله أصلاً ولا يقر به ، ككفر الملحدين.
- كفر نفاق: بأن يقر لسانا وينكر قلبا ، ككفر منافقي المدينة في العهد النبوي.
- كفر جحود: بأن يعرفه قلبًا وينكره لسانًا وعملا ، ككفر إبليس.
- كفر عناد: بأن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه موقنا بما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم ولكن لا يدين به ، ككفر أبي طالب عم النبي صلي الله عليه وسلم فقد كان يعتقد بنبوة محمد صلي الله عليه وسلم بل وصرح بنبوته ولكن خشي أن تعيره العرب بترك دين أبيه.
وجميع الأنواع السابق ذكرها تقضي بالخلود الدائم في النار ، ومدارها على أنه (إنكار) ولو انكار بالعمل أو الفعل ، أي جَحْدِ ما عُلمَ وعُرِفَ بالضرورة البيِّنة بأن اشتهر حتى عرفه الخواصُّ والعوام ، كالصلاة وشرب الخمر؛ ولا يندرج تحته ما يخفى أو ما عرفه الخواص فقط ، كإستحقاق بنت الإبن السدس في الميراث علي سبيل المثال .
ونعود لقضيتنا الأولي وهي تكفير النصاري والتي ملأت الدنيا ضجيجا في الآونة الأخيرة ونقول إن القضية المثارة من قبل النخبة الليبرالية واليسارية المستحوذة علي معظم وسائل الإعلام ليست إلا تعبيرا عن مدي النجاح الذي وصل إليه مشروع التغريب منذ عهد "محمد علي" لخلق تلك الكتلة الحرجة من نخبة مشبعة بقيم حضارية غربية تختلف في جوهرها عن قيم حضارتنا العربية الإسلامية ، هذه النخبة المتماهية مع الغرب شكلا ومضمونا والتي تم صنعها علي أعين الإحتلال وأذنابه الذين خلفهم بعد رحيله في ظروف الإنحطاط الحضاري لأمتنا والتي تحذوا حذو الغرب شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وعلي الرغم من أن فيهم عملاء صريحين ومتبجحين بعمالتهم لدول الغرب أحيانا ومستترين أحيانا أخري ؛ إلا أن هناك الكثير من هؤلاء الذين تربوا في كنف الغرب وتم صبغهم تماما بالصبغة الغربية علميا وثقافيا ولكنهم مهمومين بقضايا الوطن ويسعون جاهدين لنهضته ويحملون نوايا صادقة وفيهم بقية من خير ولديهم القابلية للرجوع إلي الحق وبخاصة الشباب منهم ، وهنا يأتي دور الحركة الإسلامية في إحتواء هؤلاء بدلا من عزلهم واهدار الأوقات والجهود في معاداتهم فنحن الآن بحاجة لإستثمار طاقات جميع المخلصين وتوجيههم الوجهة الصحيحة للمساهمة في بناء دولتنا المنشودة.